فهرس الكتاب

الصفحة 1864 من 4997

وبعد استعراض مشهد الميثاق الكوني بالتوحيد واستعراض مثل المنحرف عن هذا الميثاق وعن آيات اللّه بعد إذ آتاه اللّه إياها .. يعقب بالتوجيه الآمر بإهمال المنحرفين - الذين كانوا يتمثلون في المشركين الذين كانوا يواجهون دعوة الإسلام بالشرك - الذين يلحدون في أسماء اللّه ويحرفونها،فيسمون بها الشركاء المزعومين: «وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها،وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ،سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» ..

والإلحاد هو الانحراف أو التحريف .. وقد حرف المشركون في الجزيرة أسماء اللّه الحسنى،فسموا بها آلهتهم المدعاة .. حرفوا اسم «اللّه» فسموا به «اللات» . واسم «العزيز» فسموا به «العزى» .. فالآية تقرر أن هذه الأسماء الحسنى للّه وحده. وتأمر أن يدعوه المؤمنون وحده بها،دون تحريف ولا ميل وأن يدعوا المحرفين المنحرفين فلا يحفلوهم ولا يأبهوا لما هم فيه من الإلحاد. فأمرهم موكول إلى اللّه وهم ملاقون جزاءهم الذي ينتظرهم منه .. ويا له من وعيد! ..

وهذا الأمر بإهمال شأن الذين يلحدون في أسماء اللّه لا يقتصر على تلك المناسبة التاريخية،ولا على الإلحاد في أسماء اللّه بتحريفها اللفظي إلى الآلهة المدعاة .. إنما هو ينسحب على كل ألوان الإلحاد في شتى صوره ..ينسحب على الذين يلحدون - أي يحرفون أو ينحرفون - في تصورهم لحقيقة الألوهية على الإطلاق. كالذين يدّعون له الولد. وكالذين يدّعون أن مشيئته - سبحانه - مقيدة بنواميس الطبيعة الكونية! وكالذين يدعون له كيفيات أعمال تشبه كيفيات أعمال البشر - وهو سبحانه ليس كمثله شيء- وكذلك من يدعون أنه سبحانه إله في السماء،وفي تصريف نظام الكون،وفي حساب الناس في الآخرة. ولكنه ليس إلها في الأرض،ولا في حياة الناس،فليس له - في زعمهم - أن يشرع لحياة الناس إنما الناس هم الذين يشرعون لأنفسهم بعقولهم وتجاربهم ومصالحهم - كما يرونها هم - فالناس - في هذا - هم آلهة أنفسهم. أو بعضهم آلهة بعض! ..

وكله إلحاد في اللّه وصفاته وخصائص ألوهيته .. والمسلمون مأمورون بالإعراض عن هذا كله وإهماله والملحدون موعدون بجزاء اللّه لهم على ما كانوا يعملون!

الدرس الخامس:181 - 183 ملامح الصالحين والمكذبين

ثم يمضي السياق يفصل صنوف الخلق .. بعد ما ذكر منهم من قبل أولئك الذين ذرأهم اللّه لجهنم «لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها،وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها،وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ...» ومنهم هؤلاء الذين يلحدون في أسماء اللّه ويحرفونها .. ثم إن منهم أمة يستمسكون بالحق،ويدعون الناس إليه،ويحكمون به ولا ينحرفون عنه .. وأمة - على الضد - ينكرون الحق،ويكذبون بآيات اللّه! فأما الأولون فيقرر وجودهم في الأرض وجودا ثابتا لا شك فيه وهم حراس على الحق حين ينحرف عنه المنحرفون،ويزيغ عنه الزائغون وحين يكذب الناس بالحق وينبذونه يبقون هم عليه صامدين. وأما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت