فهرس الكتاب

الصفحة 2548 من 4997

الدرس الخامس:116 - 117 إهلاك السابقين لعدم إصلاحهم ونهيهم عن الفساد

ثم يعود السياق إلى تكملة التعليق والتعقيب على مصارع القرى والقرون.فيشير من طرف خفي إلى أنه لو كان في هذه القرون أولو بقية يستبقون لأنفسهم الخير عند اللّه،فينهون عن الفساد في الأرض،ويصدون الظالمين عن الظلم،ما أخذ تلك القرى بعذاب الاستئصال الذي حل بهم،فإن اللّه لا يأخذ القرى بالظلم إذا كان أهلها مصلحين،أي إذا كان للمصلحين من أهلها قدرة يصدون بها الظلم والفساد،إنما كان في هذه القرى قلة من المؤمنين لا نفوذ لهم ولا قوة،فأنجاهم اللّه.وكان فيها كثرة من المترفين وأتباعهم والخانعين لهم،فأهلك القرى بأهلها الظالمين: « فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ! إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ،وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ.وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ» ..

وهذه الإشارة تكشف عن سنة من سنن اللّه في الأمم.فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير اللّه،في صورة من صوره،فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية،لا يأخذها اللّه بالعذاب والتدمير.فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون،ويفسد فيها المفسدون،فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد،أو يكون فيها من يستنكر،ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد،فإن سنة اللّه تحق عليها،إما بهلاك الاستئصال.وإما بهلاك الانحلال ..

والاختلال! فأصحاب الدعوة إلى ربوبية اللّه وحده،وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره،هم صمام الأمان للأمم والشعوب ..وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية اللّه وحده،الواقفين للظلم والفساد بكل صوره ..إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب،إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب اللّه،واستحقاق النكال والضياع ..

الدرس السادس:118 - 119 سنة الله في اختلاف الناس والفصل بينهم يوم القيامة

والتعقيب الأخير عن اختلاف البشر إلى الهدى وإلى الضلال،وسنة اللّه المستقيمة في اتجاهات خلقه إلى هذا أو ذاك: «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً.وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ - وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ.وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ:لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ..

لو شاء اللّه لخلق الناس كلهم على نسق واحد،وباستعداد واحد ..نسخا مكرورة لا تفاوت بينها ولا تنويع فيها.وهذه ليست طبيعة هذه الحياة المقدرة على هذه الأرض.وليست طبيعة هذا المخلوق البشري الذي استخلفه اللّه في الأرض.

ولقد شاء اللّه أن تتنوع استعدادات هذا المخلوق واتجاهاته.وأن يوهب القدرة على حرية الاتجاه.وأن يختار هو طريقه،ويحمل تبعة الاختيار.ويجازى على اختياره للهدى أو للضلال ..هكذا اقتضت سنة اللّه وجرت مشيئته.فالذي يختار الهدى كالذي يختار الضلال سواء في أنه تصرف حسب سنة اللّه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت