وإنه لما يستحق الانتباه هنا أن النهي الذي أعقب الأمر بالاستقامة،لم يكن نهيا عن القصور والتقصير،إنما كان نهيا عن الطغيان والمجاوزة ..وذلك أن الأمر بالاستقامة وما يتبعه في الضمير من يقظة وتحرج قد ينتهي إلى الغلو والمبالغة التي تحول هذا الدين من يسر إلى عسر.واللّه يريد دينه كما أنزله،ويريد الاستقامة على ما أمر دون إفراط ولا غلو،فالإفراط والغلو يخرجان هذا الدين عن طبيعته كالتفريط والتقصير.وهي التفاتة ذات قيمة كبيرة،لإمساك النفوس على الصراط،بلا انحراف إلى الغلو أو الإهمال على السواء ..
«إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» ..والبصر - من البصيرة - مناسب في هذا الموضع،الذي تتحكم فيه البصيرة وحسن الإدراك والتقدير ..فاستقم - أيها الرسول - كما أمرت.ومن تاب معك ...
« وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» ..لا تستندوا ولا تطمئنوا إلى الذين ظلموا.إلى الجبارين الطغاة الظالمين،أصحاب القوة في الأرض،الذين يقهرون العباد بقوتهم ويعبّدونهم لغير اللّه من العبيد ..لا تركنوا إليهم فإن ركونكم إليهم يعني إقرارهم على هذا المنكر الأكبر الذي يزاولونه.ومشاركتهم إثم ذلك المنكر الكبير.
«فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» ..جزاء هذا الانحراف.
«وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ» ..
والاستقامة على الطريق في مثل هذه الفترة أمر شاق عسير يحتاج إلى زاد يعين ..واللّه - سبحانه - يرشد رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من القلة المؤمنة إلى زاد الطريق: «وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ» ..ولقد علم اللّه أن هذا هو الزاد الذي يبقى حين يفنى كل زاد،والذي يقيم البنية الروحية،ويمسك القلوب على الحق الشاق التكاليف.ذلك أنه يصل هذه القلوب بربها الرحيم الودود،القريب المجيب،وينسم عليها نسمة الأنس في وحشتها وعزلتها في تلك الجاهلية النكدة الكنود! والآية هنا تذكر طرفي النهار - وهما أوله وآخره،وزلفا من الليل أي قريبا من الليل.وهذه تشمل أوقات الصلاة المفروضة دون تحديد عددها.والعدد محدد بالسنة ومواقيته كذلك.
والنص يعقب على الأمر بإقامة الصلاة - أي أدائها كاملة مستوفاة - بأن الحسنات يذهبن السيئات.وهو نص عام يشمل كل حسنة،والصلاة من أعظم الحسنات،فهي داخلة فيه بالأولوية.لا أن الصلاة هي الحسنة التي تذهب السيئة بهذا التحديد - كما ذهب بعض المفسرين: «ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ» ..فالصلاة ذكر في أساسها ومن ثم ناسبها هذا التعقيب ..والاستقامة في حاجة إلى الصبر.كما أن انتظار الأجل لتحقيق سنة اللّه في المكذبين يحتاج إلى الصبر ..
ومن ثم كان التعقيب على الأمر بالاستقامة وعلى ما سبقه في السياق هو: «وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» ..والاستقامة إحسان.وإقامة الصلاة في أوقاتها إحسان.والصبر على كيد التكذيب إحسان ...واللّه لا يضيع أجر المحسنين ...