فهرس الكتاب
«فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟» ! إنها صورة من الهول فوق مألوف البشر - وفوق مألوف كل خلق - وفوق تصور البشر وتصور كل خلق.
وهي صورة فريدة،وردت لها نظائر قليلة في القرآن،تشبهها ولا تماثلها.كما قال تعالى مرة: «وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ» ..وكما قال: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا» ..وما يزال قوله تعالى: «سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ» ..أعنف وأقوى وأرعب وأدهى ..
ومن هنا إلى نهاية السورة تبدأ مشاهد اليوم الآخر.مشهد الانقلاب الكوني يوم القيامة.وما يعقبه من مشاهد الحساب.ومشاهد العذاب والثواب.
ويبدأ استعراض هذه المشاهد بمشهد كوني يتناسب مع مطالع السورة ومجالها الكوني: «فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ» .وردة حمراء،سائلة كالدهان ..ومجموع الآيات التي وردت في صفة الكون يوم القيامة تشير كلها إلى وقوع دمار كامل في هذه الأفلاك والكواكب،بعد انفلاتها من النسق الذي يحكمها الآن،وينسق بين مداراتها وحركاتها.منها هذه الآية.ومنها: «إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا،وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا،فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا» ..ومنها: «فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ،وَخَسَفَ الْقَمَرُ،وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ» ..ومنها: «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ،وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ،وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ.وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ.وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ.وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ» ..
ومنها: «إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ،وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ.وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ» ..ومنها: «إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ،وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ.وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ،وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ،وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ» ..وهذه وغيرها تشير إلى ذلك الحادث الهائل الذي سيقع في الكون كله.ولا يعلم حقيقته إلا اللّه .. «فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ» .. «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟» ولا تكذيب عندئذ ولا نكران .. «فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ» ..وذلك في موقف من مواقف ذلك اليوم المشهود.الذي ستكون فيه مواقف شتى.منها ما يسأل فيه العباد،ومنها ما لا يسألون فيه عن شيء.ومنها ما تجادل كل نفس عن نفسها،وما تلقي به التبعة على شركائها،ومنها ما لا يسمح فيه بكلمة ولا جدال ولا خصام! فهو يوم طويل مديد.وكل موقف من مواقفه هائل مشهود.
وهنا موقف:لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان.ذلك حين تعرف صفة كل فرد وعمله.وتبدو في الوجوه معالم الشقوة سوادا،ومعالم النجوة بياضا،ويظهر هذا وذاك في سيما الوجوه.ففي هذا الموقف هل من تكذيب ونكران: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟» ! «يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ» .