فهرس الكتاب

الصفحة 3779 من 4997

هنا صدر الأمر الإلهي العالي بطرد هذا المخلوق المتمرد القبيح: «قالَ:فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ.وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ» ..ولا نملك أن نحدد عائد الضمير في قوله: «مِنْها» فهل هي الجنة؟ أم هل هي رحمة اللّه ..هذا وذلك جائز.ولا محل للجدل الكثير.فإنما هو الطرد واللعنة والغضب جزاء التمرد والتجرؤ على أمر اللّه الكريم.

هنا تحول الحسد إلى حقد.وإلى تصميم على الانتقام في نفس إبليس: «قالَ:رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» ..واقتضت مشيئة اللّه للحكمة المقدرة في علمه أن يجيبه إلى ما طلب،وأن يمنحه الفرصة التي أراد: « قالَ:فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ.إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ» ..

وكشف الشيطان عن هدفه الذي ينفق فيه حقده: «قالَ:فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» ..وبهذا تحدد منهجه وتحدد طريقه.إنه يقسم بعزة اللّه ليغوين جميع الآدميين.لا يستثني إلا من ليس له عليهم سلطان.لا تطوعا منه ولكن عجزا عن بلوغ غايته فيهم! وبهذا يكشف عن الحاجز بينه وبين الناجين من غوايته وكيده والعاصم الذي يحول بينهم وبينه.إنه عبادة اللّه التي تخلصهم للّه.هذا هو طوق النجاة.وحبل الحياة! ..وكان هذا وفق إرادة اللّه وتقديره في الردى والنجاة.فأعلن - سبحانه - إرادته.وحدد المنهج والطريق: «قالَ:فَالْحَقُّ.وَالْحَقَّ أَقُولُ.لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ» ..واللّه يقول الحق دائما.والقرآن يقرر هذا ويؤكد الإشارة إليه في هذه السورة في شتى صوره ومناسباته.فالخصم الذين تسوروا المحراب على داود يقولون له: «فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ» ..واللّه ينادي عبده داود: «فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى » ..ثم يعقب على هذا بالإشارة إلى الحق الكامن في خلق السماوات والأرض: «وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا.ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا» ..ثم يجيء ذكر الحق على لسان القوي العزيز: «قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ» ..فهو الحق الذي تتعدد مواضعه وصوره،وتتحد طبيعته وكنهه.ومنه هذا الوعد الصادق: «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ» ..

وهي المعركة إذن بين الشيطان وأبناء آدم،يخوضونها على علم.والعاقبة مكشوفة لهم في وعد اللّه الصادق الواضح المبين.وعليهم تبعة ما يختارون لأنفسهم بعد هذا البيان.وقد شاءت رحمة اللّه ألا يدعهم جاهلين ولا غافلين.فأرسل إليهم المنذرين.

الدرس الثالث:86 - 88 تجرد الرسول وعدم تكلفه وتبليغه لدعوته

وفي نهاية الشوط وختام السورة يكلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يلقي إليهم بالقول الأخير: «قُلْ:ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ.إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ.وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ» ..

إنها الدعوة الخالصة للنجاة،بعد كشف المصير وإعلان النذير.الدعوة الخالصة التي لا يطلب صاحبها أجرا وهو الداعية السليم الفطرة،الذي ينطق بلسانه،لا يتكلف ولا يتصنع،ولا يأمر إلا بما يوحي منطق الفطرة القريب.وإنه للتذكير للعالمين أجمعين فقد ينسون ويغفلون.وإنه للنبأ العظيم الذي لا يلقون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت