مشرك باللّه،لأنه يدع لغير اللّه - من البشر - أن يصطلح على غير ما قرره اللّه من القيم والموازين والتصورات والأخلاق،والأنظمة والأوضاع .. وهذا هو التقسيم الوحيد الذي يعرفه الإسلام للمجتمعات وللقيم وللأخلاق .. إسلامي وغير إسلامي .. إسلامي وجاهلي .. بغض النظر عن الصور والأشكال!!
بعد هذا التمهيد التقريري الطويل تجيء قضية الذبائح،مبنية على القاعدة الأساسية التي أقامها ذلك التمهيد التقريري الطويل: « فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ .. إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ .. وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ،وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ - إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ - وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ،إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ. وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ،إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ. وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ - وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ،وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ» ..
وقبل أن ندخل في تفصيل هذه الأحكام من الناحية الفقهية،يهمنا أن نبرز المبادئ الأساسية الاعتقادية التي تقررها.إنه يأمر بالأكل مما ذكر اسم اللّه عليه. والذكر يقرر الوجهة ويحدد الاتجاه. ويعلق إيمان الناس بطاعة هذا الأمر الصادر إليهم من اللّه: «فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ .. إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ» ..ثم يسألهم:وما لهم في الامتناع من الأكل مما ذكر اسم اللّه عليه،وقد جعله اللّه لهم حلالا؟ وقد بين لهم الحرام الذي لا يأكلونه إلا اضطرارا؟ فانتهى بهذا البيان كل قول في حله وحرمته وفي الأكل منه أو تركه؟ «وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ؟» ..
ولما كانت هذه النصوص تواجه قضية حاضرة إذ ذاك في البيئة،حيث كان المشركون يمتنعون من ذبائح أحلها اللّه ويحلون ذبائح حرمها اللّه - ويزعمون أن هذا هو شرع اللّه! - فإن السياق يفصل في أمر هؤلاء المشترعين المفترين على اللّه،فيقرر أنهم إنما يشرعون بأهوائهم بغير علم ولا اتباع،ويضلون الناس بما يشرعونه لهم من عند أنفسهم،ويعتدون على ألوهية اللّه وحاكميته بمزاولتهم لخصائص الألوهية وهم عبيد: «وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ .. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ» ..ويأمرهم بأن يتركوا الإثم كله - ظاهره وخافيه - ومنه هذا الذي يزاولونه من إضلال الناس بالهوى وبغير علم وحملهم على شرائع ليست من عند اللّه،وافتراء أنها شريعة اللّه! ويحذرهم مغبة هذا الإثم الذي يقترفونه: «وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ» ..
ثم ينهى عن الأكل مما لم يذكر اسم اللّه عليه من الذبائح التي كانوا يذكرون عليها أسماء آلهتهم أو ينحرونها للميسر ويستقسمونها بالأزلام أو من الميتة التي كانوا يجادلون المسلمين في تحريمها،يزعمون