فهرس الكتاب

الصفحة 1656 من 4997

وقوله تعالى: «وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» ..ينصرف إلى العطاء،كما ينصرف إلى الأكل. فقد روي أنهم تباروا في العطاء حتى أسرفوا،فقال اللّه سبحانه: «وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» ..وعند ما يذكر الأنعام يقول: «كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ،وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ،إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» ..

ذلك ليذكرهم أن هذا رزق اللّه وخلقه،والشيطان لم يخلق شيئا. فما بالهم يتبعونه في رزق اللّه؟ ثم ليذكرهم أن الشيطان لهم عدو مبين. فما بالهم يتبعون خطواته وهو العدو المبين؟!

الدرس الثالث:143 - 144 تكذيب الجاهلين في تشريعاتهم وتحريمهم

ثم يأخذ السياق في مواجهة دقيقة يتتبع بها مكامن الأوهام الجاهلية،ليلقي عليها الضوء،ويستعرضها واحدا واحدا،وجزئية جزئية فيكشف فيها عن السخف الذي لا يمكن تعليله ولا الدفاع عنه والذي قد يخجل منه صاحبه نفسه،حين يكشف له في النور وحين يرى أن لا سند له فيه من علم ولا هدى ولا كتاب منير: « ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ:مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ. قُلْ:آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ؟ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ؟ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ! وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ. قُلْ:آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ؟ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ؟ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا؟ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» ..

فهذه الأنعام التي يدور حولها الجدل والتي ذكر في الآية السابقة أن اللّه خلقها لهم،هي ثمانية أزواج - وكل من الذكر والأنثى يطلق عليه لفظ زوج عند ما يكون مع رفيقه - زوج من الضأن وزوج من المعز. فأي منها حرمه اللّه على أي من الناس؟ أم إنه حرم أجنتها في البطون؟

«نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .. فهذه الشئون لا يفتى فيها بالظن،ولا يقضى فيها بالحدس،ولا يشرع فيها بغير سلطان معلوم.وبقية الأزواج ذكر وأنثى من الإبل وذكر وأنثى من البقر. فأيها كذلك حرم؟ أم أجنتها هي التي حرمها اللّه على الناس؟ ومن أين هذا التحريم: «أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا؟» ..فحضرتم وشهدتم وصية اللّه لكم خاصة بهذا التحريم. فما ينبغي أن يكون هناك تحريم بغير أمر من اللّه مستيقن،لا يرجع فيه إلى الرجم والظنون.

وبهذا يرد أمر التشريع كله إلى مصدر واحد .. وقد كانوا يزعمون أن اللّه هو الذي شرع هذا الذي يشرعونه.لذلك يعاجلهم بالتحذير والتهديد: «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ. إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» ..

إنه لا أحد أظلم ممن يفتري على اللّه شريعة لم يأذن بها،ثم يقول:شريعة اللّه! وهو يقصد أن يضل الناس بغير علم،إنما هو يحيلهم إلى هدى أو ظن .. أولئك لن يهديهم اللّه فقد قطعوا ما بينهم وبين أسباب الهدى.وأشركوا باللّه ما لم ينزل به سلطانا .. إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت