فهرس الكتاب

الصفحة 4230 من 4997

حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة، رضي الله عنهم، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما"... [1] "

(1) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [7 /465]

قلت:

هذا الكلام فيه نظر:

والذي يصل إلى الميت من الأجر والثواب نوعان:

الأول- ما كان هو سببا به،ومنه الصدقة الجارية،والولد الصالح،والعلم النافع وما جاء عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ أَوْ بَيْتًا لاِبْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِى صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ » .سنن ابن ماجه- المكنز [1 /292] (249) حسن

الثاني - ما فعله بعض أهله عنه أو غيرهم،مثل دفع الزكاة عنه،أو الصيام عنه،أو الحج عنه،أو دفع الدين الذي عليه ،فعن إِيَاسَ بن سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَأُتِيَ بِجِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ:"تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا؟"قَالُوا:نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، دِينَارَيْنِ، قَالَ:"صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ"، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ:هُمَا عَلِيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِأُخْرَى، فَقَالَ:"عَلَيْهِ دَيْنٌ؟"قَالُوا:لا. قَالَ:"فَهَلْ تَرَكَ كَنْزًا؟"قَالُوا:دِينَارَيْنِ.

المعجم الكبير للطبراني [6 /117] (6135 ) صحيح لغيره

وعَنْ أَبِي عُتْبَةَ الْكِنْدِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ، يَقُولُ:تُوُفِّيَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَتَرَكَ دِينَارَيْنِ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ وَفَاءٌ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَقَالَ:"صَلُّوا عَلَى صَاحِبَكُمْ"، فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ:أَنَا أَقْضِي عَنْهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَصَلَّى عَلَيْهِ.

المعجم الكبير للطبراني [7 /112] ( 7383 ) صحيح لغيره

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ،عَنْ أَبِيهِ،قَالَ:أُتِيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ،بِجِنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا،فَقَالَ:أَعَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا:نَعَمْ دِينَارَيْنِ. قَالَ:تَرَكَ لَهُمَا وَفَاءً ؟ قَالُوا:لاَ. قَالَ:فَصَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ:هُمَا إِلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ،فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - .صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [7 /329] (3058) صحيح

قال الإمام النووي رحمه الله:"وَأَمَّا قِرَاءَة الْقُرْآن فَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ أَنَّهُ لَا يَصِلُ ثَوَابُهَا إِلَى الْمَيِّت وَقَالَ بَعْض أَصْحَابه:يَصِل ثَوَابهَا إِلَى الْمَيِّت .وَذَهَبَ جَمَاعَات مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّهُ يَصِل إِلَى الْمَيِّت ثَوَاب جَمِيع الْعِبَادَات مِنْ الصَّلَاة وَالصَّوْم الْقِرَاءَة وَغَيْر ذَلِكَ،وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ فِي بَاب مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ أَنَّ اِبْن عُمَرَ أَمَرَ مَنْ مَاتَتْ أُمُّهَا وَعَلَيْهَا صَلَاةٌ أَنْ تُصَلِّيَ عَنْهَا ."

وعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ،قَالَ:أَتَى رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ،وَأَنَا عِنْدَهُ،فقَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ،إِنَّ أَبَوَيَّ قَدْ هَلَكَا،فَهَلْ بَقِيَ لِي بَعْدَ مَوْتِهِمَا مِنْ بِرِّهِمَا شَيْءٌ ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:نَعَمْ،الصَّلاَةُ عَلَيْهِمَا،وَالاِسْتِغْفَارُ لَهُمَا،وَإِنْفَاذُ عُهُودِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا،وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا،وَصِلَةُ رَحِمِهِمَا الَّتِي لاَ رَحِمَ لَكَ إِلاَّ مِنْ قِبَلِهِمَا،قَالَ الرَّجُلُ:مَا أَكْثَرَ هَذَا،يَا رَسُولَ اللهِ،وَأَطْيَبَهُ،قَالَ:فَاعْمَلْ بِهِ.صحيح ابن حبان - (ج 2 / ص 162) (418) وشعب الإيمان للبيهقي (7724 ) حسن لغيره

وعَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ - رضى الله عنه - تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ عَنْهَا،فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّى تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا،أَيَنْفَعُهَا شَىْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا قَالَ « نَعَمْ » . قَالَ فَإِنِّى أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِى الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا أخرجه البخاري في الوصايا باب إذا قال:أرضي أو بستاني صدقة، ( 2756 و 2762 و 2770 ) ود (2884) وت (671) وحم (3135و3572)

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِى مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ: « أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ » . قَالَ نَعَمْ. قَالَ « فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ » .أخرجه النسائي نص برقم ( 2651 ) وحم (16554) عن عبد الله بن الزبير وطب (3470و11160 و17231 و19596 ) عن حُصَيْنِ بن عَوْفٍ وابْنِ عَبَّاسٍ ومَرْوَانَ بن قَيْسٍ وسَوْدَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وطس (100 و1540) عن أنس وابن عباس والمجمع 3/282 (5683) وعن عقبة بن عامر عند مسلم (1149) . وغيرهم وهو حديث متواتر...

وقد دلت هذه الأحاديث على أنه يصل إلى الميت - المسلم ثواب الدعاء والاستغفار والصدقة والواجبات الدينية البدنية والمالية التي تدخلها النيابة كالحج والصوم وهذا بلا خلاف. والجمهور على جواز وصول ثواب العبادات البدنية المحضة كالصلاة وتلاوة القرآن إلى غير فاعلها.

وفي المغني لابن قدامة: ( 1686 ) فَصْلٌ:قَالَ:وَلَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ،وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ:إذَا دَخَلْتُمْ الْمَقَابِرَ اقْرَءُوا آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَثَلَاثَ مَرَّاتٍ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ،ثُمَّ قُلْ:اللَّهُمَّ إنَّ فَضْلَهُ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ". وراجع الفقه الإسلامي أستاذنا الزجيلي 2/55- 552 والدر المختار 1/844 وفتح القدير 1/473 والشرح الكبير 1/423 ومغني المحتاج 3/69 - 70 والمغني 2/566 - 570 والمهذب 1/464 ونيل الأوطار 4/91-93، وفقه السنة 1/567- 570 والروح لابن القيم ص 117- 143 وهو من أروع ما كتب في هذا الباب."

وَمَنْ صَامَ أَوْ صَلَّى أَوْ تَصَدَّقَ وَجَعَل ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ مِنَ الأَْمْوَاتِ وَالأَْحْيَاءِ جَازَ،وَيَصِل ثَوَابُهَا إِلَيْهِمْ عِنْدَ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ،وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةَ الْمَحْضَةَ،كَالصَّلاَةِ وَالتِّلاَوَةِ،فَلاَ يَصِل ثَوَابُهَا إِلَى الْمَيِّتِ عِنْدَهُمَا،وَمُقْتَضَى تَحْرِيرِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ انْتِفَاعُ الْمَيِّتِ بِالْقِرَاءَةِ لاَ حُصُول ثَوَابِهَا لَهُ .وَلِلْعَلاَّمَةِ ابْنِ الْقَيِّمِ كَلاَمٌ مُشْبِعٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ،فَرَاجِعْ كِتَابَ الرُّوحِ"لَهُ".

وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ:إِنَّ الْقِرَاءَةَ تَصِل لِلْمَيِّتِ وَأَنَّهَا عِنْدَ الْقَبْرِ أَحْسَنُ مَزِيَّةٌ". الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 16 / ص 45) "

وَسُئِلَ ابن تيمية رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْله تَعَالَى { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى } وَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - {إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ} فَهَلْ يَقْتَضِي ذَلِكَ إذَا مَاتَ لَا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ الْبِرِّ ؟

فَأَجَابَ:الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَيْسَ فِي الْآيَةِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَنْتَفِعُ بِدُعَاءِ الْخَلْقِ لَهُ وَبِمَا يُعْمَلُ عَنْهُ مِنَ الْبِرِّ بَلْ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ مُتَّفِقُونَ عَلَى انْتِفَاعِ الْمَيِّتِ بِذَلِكَ وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) [غافر/7-9] } . فَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَدْعُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْمَغْفِرَةِ وَوِقَايَةِ الْعَذَابِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ وَدُعَاءُ الْمَلَائِكَةِ لَيْسَ عَمَلًا لِلْعَبْدِ .

وَقَالَ تَعَالَى: { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } (19) سورة محمد ،وَقَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبِّ {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} (41) سورة إبراهيم، وَقَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} (28) سورة نوح،فَقَدْ ذَكَرَ اسْتِغْفَارَ الرُّسُلِ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمْرًا بِذَلِكَ وَإِخْبَارًا عَنْهُمْ بِذَلِكَ . وَمِنَ السُّنَنِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي مَنْ جَحَدَهَا كَفَرَ:صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمَيِّتِ وَدُعَاؤُهُمْ لَهُ فِي الصَّلَاةِ . وَكَذَلِكَ شَفَاعَةُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ السُّنَنَ فِيهَا مُتَوَاتِرَةٌ بَلْ لَمْ يُنْكِرُ شَفَاعَتَهُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ إلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَشَفَاعَتُهُ دُعَاؤُهُ وَسُؤَالُهُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَجَاحِدُ مِثْلِ ذَلِكَ كَافِرٌ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ . وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ..

وقال:فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ:"أَنَّهُ أَمَرَ بِحَجِّ الْفَرْضِ عَنِ الْمَيِّتِ وَبِحَجِّ النَّذْرِ". كَمَا أَمَرَ بِالصِّيَامِ . وَأَنَّ الْمَأْمُورَ تَارَةً يَكُونُ وَلَدًا وَتَارَةً يَكُونُ أَخًا وَشَبَّهَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذَلِكَ بِالدَّيْنِ يَكُونُ عَلَى الْمَيِّتِ،وَالدَّيْنُ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَلَدِ . كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْأَخِ . فَهَذَا الَّذِي ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ عِلْمٌ مُفَصَّلٌ مُبَيَّنٌ،فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (39) سورة النجم،ولا حديث « إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ » (1) . بَلْ هَذَا حَقٌّ وَهَذَا حَقٌّ .

أَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّهُ قَالَ: { انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ } فَذِكْرُ الْوَلَدِ وَدُعَاؤُهُ لَهُ خَاصَّيْنِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ كَسْبِهِ كَمَا قَالَ: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} (2) سورة المسد، قَالُوا:إنَّهُ وَلَدُهُ،وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - { َأطْيَبُ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ،وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ. }

فَلَمَّا كَانَ هُوَ السَّاعِيَ فِي وُجُودِ الْوَلَدِ كَانَ عَمَلُهُ مِنْ كَسْبِهِ بِخِلَافِ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْأَبِ وَنَحْوِهِمْ . فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ أَيْضًا بِدُعَائِهِمْ بَلْ بِدُعَاءِ الْأَجَانِبِ لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِ . وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: { انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ . . } لَمْ يَقُلْ:إنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعَمَلِ غَيْرِهِ . فَإِذَا دَعَا لَهُ وَلَدُهُ كَانَ هَذَا مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي لَمْ يَنْقَطِعْ وَإِذَا دَعَا لَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِهِ لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ .

وَأَمَّا الْآيَةُ فَلِلنَّاسِ عَنْهَا أَجْوِبَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ . كَمَا قِيلَ:إنَّهَا تَخْتَصُّ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا وَقِيلَ:إنَّهَا مَخْصُوصَةٌ وَقِيلَ:إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَقِيلَ:إنَّهَا تَنَالُ السَّعْيَ مُبَاشَرَةً وَسَبَبًا،وَالْإِيمَانُ مِنْ سَعْيِهِ الَّذِي تَسَبَّبَ فِيهِ،وَلَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَلْ ظَاهِرُ الْآيَةِ حَقٌّ لَا يُخَالِفُ بَقِيَّةَ النُّصُوصِ،فَإِنَّهُ قَالَ: { لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى } وَهَذَا حَقٌّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ سَعْيَهُ فَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُهُ وَيَسْتَحِقُّهُ . كَمَا أَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ مِنَ الْمَكَاسِبِ مَا اكْتَسَبَهُ هُوَ . وَأَمَّا سَعْيُ غَيْرِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَمِلْكٌ لِذَلِكَ الْغَيْرِ لَا لَهُ لَكِنْ هَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِسَعْيِ غَيْرِهِ كَمَا يَنْتَفِعُ الرَّجُلُ بِكَسْبِ غَيْرِهِ . فَمَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ فَيُثَابُ الْمُصَلِّي عَلَى سَعْيِهِ الَّذِي هُوَ صَلَاتُهُ وَالْمَيِّتُ أَيْضًا يُرْحَمُ بِصَلَاةِ الْحَيِّ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ: « مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّى عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ أَوْجَبَ » سنن أبى داود (3168 ) حسن

فَهَذَا مِنَ السَّعْيِ الَّذِي يَنْفَعُ بِهِ الْمُؤْمِنُ أَخَاهُ يُثِيبُ اللَّهُ هَذَا وَيَرْحَمُ هَذَا،.. وَلَيْسَ كُلُّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَيِّتُ أَوْ الْحَيُّ أَوْ يُرْحَمُ بِهِ يَكُونُ مِنْ سَعْيِهِ، بَلْ أَطْفَالُ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مَعَ آبَائِهِمْ بِلَا سَعْيٍ فَاَلَّذِي لَمْ يَجُزْ إلَّا بِهِ أَخَصُّ مِنْ كُلِّ انْتِفَاعٍ ؛ لِئَلَّا يَطْلُبَ الْإِنْسَانُ الثَّوَابَ عَلَى غَيْرِ عَمَلِهِ وَهُوَ كَالدَّيْنِ يُوَفِّيهِ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ مَا وَفَّى بِهِ الدَّيْنَ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُوَفِّي لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .اهـ

مِثْلُ صَلَاتِهِمْ عَلَى جِنَازَتِهِ، فَعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّى عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلاَّ شُفِّعُوا فِيهِ » صحيح مسلم برقم (2241 )

وَهَذَا دُعَاءٌ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ . فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُحْمَلَ الْمَغْفِرَةُ عَلَى الْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ الَّذِي اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ وَكُفِّرَتْ عَنْهُ الصَّغَائِرُ وَحْدَهُ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَغْفُورٌ لَهُ عِنْدَ الْمُتَنَازِعِينَ . فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَغْفِرَةِ لِلْمَيِّتِ .."مجموع الفتاوى - (ج 24 / ص 306) فما بعد - راجع كتابي الاستعداد للموت الباب الأخير منه"

قلت:وقراءة القرآن ثبتت بأحاديث صحاح وحسان وقد سقتها جميعا في كتابي الدفاع عن كتاب رياض الصالحين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت