والآن نجيء إلى ختام السورة.ختامها بتلك الصورة الوضيئة التي يرسمها القرآن لواقع صحابة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وبذلك الثناء الكريم على تلك الجماعة الفريدة السعيدة التي رضي اللّه عنها،وبلغها رضاه فردا فردا: « مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ،تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا،يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا،سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ.ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ.وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ،فَآزَرَهُ،فَاسْتَغْلَظَ،فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ،يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ،لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ.وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا» ..
إنها صورة عجيبة يرسمها القرآن الكريم بأسلوبه البديع.صورة مؤلفة من عدة لقطات لأبرز حالات هذه الجماعة المختارة،حالاتها الظاهرة والمضمرة.فلقطة تصور حالتهم مع الكفار ومع أنفسهم: «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» ولقطة تصور هيئتهم في عبادتهم: «تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا» ..ولقطة تصور قلوبهم وما يشغلها ويجيش بها: «يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا» ..ولقطة تصور أثر العبادة والتوجه إلى اللّه في سمتهم وسحنتهم وسماتهم: «سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ» .. «ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ» ..وهذه صفتهم فيها ..ولقطات متتابعة تصورهم كما هم في الإنجيل .. «كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ» «فَآزَرَهُ» .. «فَاسْتَغْلَظَ» «فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ» . «يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ» ..: «لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ» ..
وتبدأ الآية بإثبات صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - صفته التي أنكرها سهيل بن عمرو ومن وراءه من المشركين: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» ..ثم ترتسم تلك الصورة الوضيئة بذلك الأسلوب البديع.والمؤمنون لهم حالات شتى.ولكن اللقطات تتناول الحالات الثابتة في حياتهم،ونقط الارتكاز الأصيلة في هذه الحياة.وتبرزها وتصوغ منها الخطوط العريضة في الصور الوضيئة ..وإرادة التكريم واضحة في اختيار هذه اللقطات،وتثبيت الملامح والسمات التي تصورها.التكريم الإلهي لهذه الجماعة السعيدة.إرادة التكريم واضحة،وهو يسجل لهم في اللقطة الأولى أنهم: «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» ..أشداء على الكفار وفيهم آباؤهم وإخوتهم وذوو قرابتهم وصحابتهم،ولكنهم قطعوا هذه الوشائج جميعا.رحماء بينهم وهم فقط إخوة دين.فهي الشدة للّه والرحمة للّه.وهي الحمية للعقيدة،والسماحة للعقيدة.فليس لهم في أنفسهم شيء، ولا لأنفسهم فيهم شيء.وهم يقيمون عواطفهم ومشاعرهم،كما يقيمون سلوكهم وروابطهم على أساس عقيدتهم وحدها.يشتدون على أعدائهم فيها،ويلينون لإخوتهم فيها.قد تجردوا من الأنانية ومن الهوى،ومن الانفعال لغير اللّه،والوشيجة التي تربطهم باللّه.
وإرادة التكريم واضحة وهو يختار من هيئاتهم وحالاتهم،هيئة الركوع والسجود وحالة العبادة: «تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا» ..والتعبير يوحي كأنما هذه هيئتهم الدائمة التي يراها الرائي حيثما رآهم.ذلك أن هيئة الركوع والسجود تمثل حالة العبادة،وهي الحالة الأصلية لهم في حقيقة نفوسهم فعبر عنها تعبيرا يثبتها كذلك في زمانهم،حتى لكأنهم يقضون زمانهم كله ركعا سجدا.