نذكركم! أفهذا جزاء التذكير؟ «بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ» ..تتجاوزون الحدود في التفكير والتقدير وتجازون على الموعظة بالتهديد والوعيد وتردون على الدعوة بالرجم والتعذيب! تلك كانت الاستجابة من القلوب المغلقة على دعوة الرسل.وهي مثل للقلوب التي تحدثت عنها السورة في الجولة الأولى وصورة واقعية لذلك النموذج البشري المرسوم هناك.
فأما النموذج الآخر الذي اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب،فكان له مسلك آخر وكانت له استجابة غير هذه الاستجابة: «وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ:يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ.اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ.وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ؟ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ؟ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ.إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ» ..
إنها استجابة الفطرة السليمة لدعوة الحق المستقيمة.فيها الصدق.والبساطة.والحرارة.واستقامة الإدراك.وتلبية الإيقاع القوي للحق المبين.
فهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها بعد ما رأى فيها من دلائل الحق والمنطق ما يتحدث عنه في مقالته لقومه.وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره فلم يطق عليها سكوتا ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله والجحود والفجور ولكنه سعى بالحق الذي استقر في ضميره وتحرك في شعوره.سعى به إلى قومه وهم يكذبون ويجحدون ويتوعدون ويهددون.وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق،وفي كفهم عن البغي،وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين.
وظاهر أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان.ولم يكن في عزوة من قومه أو منعة من عشيرته.ولكنها العقيدة الحية في ضميره تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة إلى أقصاها .. «قالَ:يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ.اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ» ..
إن الذي يدعو مثل هذه الدعوة،وهو لا يطلب أجرا،ولا يبتغي مغنما ..إنه لصادق.وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء إن لم يكن يلبي تكليفا من اللّه؟ ما الذي يدفعه إلى حمل هم الدعوة؟ ومجابهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة؟ والتعرض لأذاهم وشرهم واستهزائهم وتنكيلهم،وهو لا يجني من ذلك كسبا،ولا يطلب منهم أجرا؟ «اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا» .. «وَهُمْ مُهْتَدُونَ» ..
وهداهم واضح في طبيعة دعوتهم.فهم يدعون إلى إله واحد.ويدعون إلى نهج واضح.ويدعون إلى عقيدة لا خرافة فيها ولا غموض.فهم مهتدون إلى نهج سليم،وإلى طريق مستقيم.