فهرس الكتاب

الصفحة 4607 من 4997

فإن كانت الآية من مقولات الجن فهي توكيد لما سبق من قولهم: «وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا» في موضع خاص،وهو موضع العبادة والسجود.وإن كانت من قول اللّه ابتداء،فهي توجيه بمناسبة مقالة الجن وتوحيدهم لربهم،يجيء في موضعه على طريقة القرآن.

وكذلك الآية التالية: «وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا» ..

أي متجمعين متكتلين عليه،حين قام يصلي ويدعو ربه.والصلاة معناها في الأصل الدعاء.

فإذا كانت من مقولات الجن،فهي حكاية منهم عن مشركي العرب،الذين كانوا يتجمعون فئات حول رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي أو وهو يتلو القرآن كما قال في «سورة المعارج» : «فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ؟» ..يتسمعون في دهش ولا يستجيبون.أو وهم يتجمعون لإيقاع الأذى به،ثم يعصمه اللّه منهم كما وقع ذلك مرارا ..ويكون قول الجن هذا لقومهم للتعجيب من أمر هؤلاء المشركين! وإذا كانت من إخبار اللّه ابتداء،فقد تكون حكاية عن حال هذا النفر من الجن،حين سمعوا القرآن ..

العجب ..فأخذوا ودهشوا،وتكأكأوا على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بعضهم لصق بعض،كما تكون لبدة الصوف المنسوق شعرها،بعضه لصق بعض! ..ولعل هذا هو الأقرب لمدلول الآية لاتساقه مع العجب والدهشة والارتياع والوهلة البادية في مقالة الجن كلها! واللّه أعلم ..

وعند ما تنتهي حكاية مقالة الجن عن هذا القرآن،وعن هذا الأمر،الذي فاجأ نفوسهم،وهز مشاعرهم وأطلعهم على انشغال السماء والأرض والملائكة والكواكب بهذا الأمر وعلى ما أحدثه من آثار في نسق الكون كله وعلى الجد الذي يتضمنه،والنواميس التي تصاحبه.

الدرس السادس:20 دعوة الرسل إلى الله

عند ما ينتهي هذا كله يتوجه الخطاب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - في إيقاعات جادة صارمة حاسمة،بالتبليغ،والتجرد من هذا الأمر كله بعد التبليغ،والتجرد كذلك من كل دعوى في الغيب أو في حظوظ الناس ومقادرهم ..وذلك كله في جو عليه مسحة من الحزن والشجى تناسب ما فيه من جد ومن صرامة: « قُلْ:إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا.قُلْ:إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا.قُلْ:إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا.إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ.وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا.حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا.قُلْ:إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا.عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا.إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ.فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا.لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ،وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت