أولئك المهتدون بالكتاب وآياته،المحسنون،المقيمون للصلاة،المؤتون للزكاة،الموقنون بالآخرة،المفلحون في الدنيا والآخرة ..أولئك فريق ..وفي مقابلهم فريق: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا.أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ.وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها،كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا.فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» ..
ولهو الحديث كل كلام يلهي القلب ويأكل الوقت،ولا يثمر خيرا ولا يؤتي حصيلة تليق بوظيفة الإنسان المستخلف في هذه الأرض لعمارتها بالخير والعدل والصلاح.هذه الوظيفة التي يقرر الإسلام طبيعتها وحدودها ووسائلها،ويرسم لها الطريق.والنص عام لتصوير نموذج من الناس موجود في كل زمان وفي كل مكان.
وبعض الروايات تشير إلى أنه كان تصويرا لحادث معين في الجماعة الإسلامية الأولى.وقد كان النضر بن الحارث يشتري الكتب المحتوية لأساطير الفرس وقصص أبطالهم وحروبهم ثم يجلس في طريق الذاهبين لسماع القرآن من رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - محاولا أن يجذبهم إلى سماع تلك الأساطير والاستغناء بها عن قصص القرآن الكريم.ولكن النص أعم من هذا الحادث الخاص إذا صح أنه وارد فيه.وهو يصور فريقا من الناس واضح السمات،قائما في كل حين.وقد كان قائما على عهد الدعوة الأولى في الوسط المكي الذي نزلت فيه هذه الآيات.
«وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ» ..يشتريه بماله ويشتريه بوقته،ويشتريه بحياته.يبذل تلك الأثمان الغالية في لهو رخيص،يفني فيه عمره المحدود،الذي لا يعاد ولا يعود،يشتري هذا اللهو «لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا» فهو جاهل محجوب،لا يتصرف عن علم،ولا يرمي عن حكمة وهو سيّئ النية والغاية،يريد ليضل عن سبيل اللّه.يضل نفسه ويضل غيره بهذا اللهو الذي ينفق فيه الحياة.
وهو سيّئ الأدب يتخذ سبيل اللّه هزوا،ويسخر من المنهج الذي رسمه اللّه للحياة وللناس.ومن ثم يعالج القرآن هذا الفريق بالمهانة والتهديد قبل أن يكمل رسم الصورة: «أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ» ..ووصف العذاب بأنه مهين مقصود هنا للرد على سوء الأدب والاستهزاء بمنهج اللّه وسبيله القويم.
ثم يمضي في استكمال صورة ذلك الفريق: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها» وهو مشهد فيه حركة ترسم هيئة المستكبر المعرض المستهين.ومن ثم يعالجه بوخزة مهينة تدعو إلى تحقير هذه الهيئة: «كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا» وكأن هذا الثقل في أذنيه يحجبه عن سماع آيات اللّه الكريمة،وإلا فما يسمعها إنسان له سمع ثم يعرض عنها هذا الإعراض الذميم.ويتمم هذه الإشارة المحقرة بتهكم ملحوظ: «فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» فما البشارة في هذا الموضوع إلا نوع من التهكم المهين يليق بالمتكبرين المستهزئين!