والإسلام لا يحرم الطيب منها ولكنه لا يجعل منها غاية لحياة الإنسان.فمن شاء أن يتمتع بها فليتمتع،ولكن ليذكر اللّه الذي أنعم بها.وليشكره على النعمة بالعمل الصالح،فالباقيات الصالحات خير وأبقى.
وهو يبدأ بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يصبر نفسه مع الذين يتجهون إلى اللّه وأن يغفل ويهمل الذين يغفلون عن ذكر اللّه.ثم يضرب للفريقين مثلا رجلين:أحدهما يعتز بما أوتي من مال وعزة ومتاع.
والآخر يعتز بالإيمان الخالص،ويرجو عند ربه ما هو خير.ثم يعقب بمثل يضرب للحياة الدنيا كلها،فإذا هي قصيرة زائلة كالهشيم تذروه الرياح.وينتهي من ذلك كله بتقرير الحقيقة الباقية: «الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا،وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا» ..
«وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ،وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا،وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا،وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا.وَقُلِ:الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ.فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ.وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» ..
عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ،وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ قَالَ:جَاءَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فَوَجَدُوهُ قَاعِدًا مَعَ بِلَالٍ وَعَمَّارٍ وَصُهَيْبٍ وَخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ فِي أُنَاسٍ مِنَ الضُّعَفَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ،فَلَمَّا رَأَوْهُمْ حَوْلَهُ حَقَّرُوهُمْ فَأَتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ فَقَالُوا:نُحِبُّ أَنْ تَجْعَلَ لَنَا مِنْكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنَا بِهِ الْعَرَبُ فَضْلَنَا،فَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ تَأْتِيكَ فَنَسْتَحِي أَنْ تَرَانَا مَعَ هَذِهِ الْأَعْبُدِ،فَإِذَا نَحْنُ جِئْنَاكَ فَأَقِمْهُمْ عَنَّا،وَإِذَا نَحْنُ فَرَغْنَا فَاقْعُدْ مَعَهُمْ إِنْ شِئْتَ"،قَالَ:"نَعَمْ"،قَالُوا:فَاكْتُبْ لَنَا كِتَابًا،فَدَعا بِالصَّحِيفَةِ لِتُكْتَبَ وَدَعَا عَلِيًّا لِيَكْتُبَ،فَلَمَّا أَرَادَ ذَلِكَ وَنَحْنُ قُعُودٌ فِي نَاحِيَةٍ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقَالَ:وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ إِلَى قَوْلِهِ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ" [1] .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:مَرَّ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَعِنْدَهُ صُهَيْبٌ،وَبِلَالٌ،وَعَمَّارٌ،وَخَبَّابٌ وَنَحْوُهُمْ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ،فَقَالُوا:يَا مُحَمَّدُ،اطْرُدْهُمْ،أَرَضِيتَ هَؤُلَاءِ مِنْ قَوْمَكَ،أَفَنَحْنُ نَكُونُ تَبَعًا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا،فَلَعَلَّ إِنْ طَرَدْتَهُمْ أَنْ تَأْتِيَكَ،قَالَ:فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:"وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيُّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ" [2] .
(1) - مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ >> كِتَابُ الْفَضَائِلِ >> مَا جَاءَ فِي بِلَالٍ وَصُهَيْبٍ وَخَبَّابٍ >> (31900 ) حسن
(2) - الْبَحْرُ الزَّخَّارُ مُسْنَدُ الْبَزَّارِ (1802 ) حسن