إنه مشهد عجيب،حافل بالحركة،مشوب بالاضطراب.فيه تيه وضلال،وفيه هول ورعب،وفيه فزع وحيرة،وفيه أضواء وأصداء ..صيب من السماء هاطل غزير «فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ» .. «كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ» .. «وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا» ..أي وقفوا حائرين لا يدرون أين يذهبون.وهم مفزعون: «يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ» ..
إن الحركة التي تغمر المشهد كله:من الصيب الهاطل،إلى الظلمات والرعد والبرق،إلى الحائرين المفزعين فيه،إلى الخطوات المروعة الوجلة،التي تقف عند ما يخيم الظلام ..إن هذه الحركة في المشهد لترسم - عن طريق التأثر الإيحائي - حركة التيه والاضطراب والقلق والأرجحة التي يعيش فيها أولئك المنافقون ..بين لقائهم للمؤمنين،وعودتهم للشياطين.بين ما يقولونه لحظة ثم ينكصون عنه فجأة.بين ما يطلبونه من هدى ونور وما يفيئون إليه من ضلال وظلام ..فهو مشهد حسي يرمز لحالة نفسية ويجسم صورة شعورية.
وهو طرف من طريقة القرآن العجيبة في تجسيم أحوال النفوس كأنها مشهد محسوس [1] .
وعند ما يتم استعراض الصور الثلاث يرتد السياق في السورة نداء للناس كافة،وأمرا للبشرية جمعاء،أن تختار الصورة الكريمة المستقيمة.الصورة النقية الخالصة.الصورة العاملة النافعة.الصورة المهتدية المفلحة ..
صورة المتقين: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا،وَالسَّماءَ بِناءً،وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ،فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ..
إنه النداء إلى الناس كلهم لعبادة ربهم الذي خلقهم والذين من قبلهم.ربهم الذي تفرذ بالخلق،فوجب أن يتفرد بالعبادة ..وللعبادة هدف لعلهم ينتهون إليه ويحققوه: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» ..لعلكم تصيرون إلى تلك الصورة المختارة من صور البشرية.صورة العابدين للّه.
المتقين للّه.الذين أدوا حق الربوبية الخالقة،فعبدوا الخالق وحده رب الحاضرين والغابرين،وخالق الناس أجمعين،ورازقهم كذلك من الأرض والسماء بلا ند ولا شريك: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا» ..وهو تعبير يشي باليسر في حياة البشر على هذه الأرض،وفي إعدادها لهم لتكون لهم سكنا مريحا وملجأ واقيا كالفراش ..والناس ينسون هذا الفراش الذي مهده اللّه لهم لطول ما ألفوه.ينسون هذا التوافق الذي جعله اللّه في الأرض ليمهد لهم وسائل العيش،وما سخره لهم فيها من وسائل الراحة والمتاع.ولولا هذا التوافق ما قامت حياتهم على هذا الكوكب في مثل هذا اليسر والطمأنينة.ولو فقد
(1) - - يراجع فصل: «التخييل الحسي والتجسيم» في كتاب «التصوير الفني في القرآن» «دار الشروق» ( السيد رحمه الله )