والأعراض التي تحدثت عنها سورة التوبة،والتي اقتضت تلك الحملات الطويلة المفصلة المنوعة الأساليب،التي أشرنا إليها في المقتطفات الممثلة لكل مقاطع السورة » [1] ..
وفي ضوء هذا البيان المجمل نملك المضي مع نصوص هذا الدرس تفصيلا:
«الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ،وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ،عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ،وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ،وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ.أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ،سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ،إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
بدأ بتصنيف الأعراب - وهم البدو - وقد كانت قبائل منهم حول المدينة،وكانت لهم أدوار في الهجوم على دار الإسلام في المدينة - قبل إسلامهم - فلما أسلموا كانوا بوجه عام داخلين في الفئتين اللتين ورد وصفهما في هذه الآيات.
وقد بدأ الحديث عنهما بتقرير قاعدة كلية عن طبيعة الأعراب: « الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ،وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» ..
والتعبير بهذا العموم يعطي وصفا ثابتا متعلقا بالبدو وبالبداوة.فالشأن في البدو أن يكونوا أشد كفرا ونفاقا،وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله.
والجدارة بعدم العلم بما أنزل اللّه على رسوله ناشئة من ظروف حياتهم،وما تنشئه في طباعهم من جفوة،ومن بعد عن المعرفة وعن الوقوف عند الحدود،ومن مادية حسية تجعل القيم المادية هي السائدة.وإن كان الإيمان يعدل من هذه الطباع،ويرفع من تلك القيم،ويصلهم بالأفق الوضيء المرتفع على الحسية.
وقد وردت روايات كثيرة عن جفوة الأعراب ..ومما أورده ابن كثير في التفسير [2] :
عَنْ إِبْرَاهِيمَ،قَالَ:كَانَ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ،يُحَدِّثُ،فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ:إِنَّ حَدِيثَكَ لَيُعْجِبُنِي،وَإِنَّ يَدَكَ لَتُرِينِي،فَقَالَ:أَمَا تَرَاهَا الشِّمَالُ ؟ فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ:وَاللَّهِ مَا أَدْرِي،الْيَمِينُ يَقْطَعُونَ أُمِ الشِّمَالُ ؟ قَالَ زَيْدٌ:صَدَقَ اللَّهُ:"الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ" [3] "."
وروى الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ،جَفَا،وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ،غَفَلَ،وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ،افْتَتَنَ [4] ...
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع [3 /1577]
(2) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [4 /201]
(3) - تفسير ابن أبي حاتم [7 /382] (10721) صحيح
(4) - مسند أحمد (عالم الكتب) [1 /893] ( 3362) صحيح