فهرس الكتاب

الصفحة 2300 من 4997

ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولا وإنما كانت البعثة من أهل القرى [1] ،كما قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } [يوسف:109]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَكْرَةً،فَعَوَّضَهُ مِنْهَا سِتَّ بَكَرَاتٍ،فَتَسَخَّطَهُ،فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ،فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ،ثُمَّ قَالَ:إِنَّ فُلاَنًا أَهْدَى إِلَيَّ نَاقَةً،وَهِيَ نَاقَتِي،أَعْرِفُهَا كَمَا أَعْرِفُ بَعْضَ أَهْلِي،ذَهَبَتْ مِنِّي يَوْمَ زَغَابَاتٍ،فَعَوَّضْتُهُ سِتَّ بَكَرَاتٍ،فَظَلَّ سَاخِطًا،لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لاَ أَقْبَلَ هَدِيَّةً إِلاَّ مِنْ قُرَشِيٍّ،أَوْ أَنْصَارِيٍّ،أَوْثَقَفِيٍّ،أَوْ دَوْسِيٍّ [2] .

لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن:مكة،والطائف،والمدينة،واليمن،فهم ألطف أخلاقًا من الأعراب:لما في طباع الأعراب من الجفاء. [3] .

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ فَقَالُوا نَعَمْ.فَقَالُوا لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « وَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ » [4] ...

وكثير من الروايات يكشف عن طابع الجفوة والفظاظة في نفوس الأعراب.حتى بعد الإسلام.فلا جرم يكون الشأن فيهم أن يكونوا أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله،لطول ما طبعتهم البداوة بالجفوة والغلظة عند ما يقهرون غيرهم أو بالنفاق والالتواء عند ما يقهرهم غيرهم وبالاعتداء وعدم الوقوف عند الحدود بسبب مقتضيات حياتهم في البادية.

«وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» ..عليم بأحوال عباده وصفاتهم وطباعهم.حكيم في توزيع المواهب والخصائص والاستعدادات،وتنويع الأجناس والشعوب والبيئات.

وبعد الوصف الرئيسي العام للأعراب يجيئ التصنيف حسبما أحدث الإيمان في النفوس من تعديلات وما أنشأه كذلك من فروق بين القلوب التي خالطتها بشاشته والقلوب التي بقيت على ما فيها من كفر ونفاق مما يمثل الواقع في المجتمع المسلم حينذاك: « وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا،وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ.عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ،وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ..

وربما عجل بذكر المنافقين من الأعراب قبل المؤمنين منهم،إلحاقا لهم بمنافقي المدينة الذين كان يتحدث عنهم في المقطع السالف كله وليتصل جو الحديث عن المنافقين من هؤلاء ومن هؤلاء.

(1) - القرية هي الحاضرة أو المدينة. ( السيد رحمه الله )

(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) [3 /168] (7918) 7905 حسن لغيره وأصله صحيح

(3) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [4 /202]

(4) - صحيح مسلم- المكنز [15 /279] ( 6169 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت