فهرس الكتاب

الصفحة 3363 من 4997

والبدء والإعادة حقيقة.والرزق من السماء والأرض حقيقة.ولكنهم يغفلون عن هذه الحقائق،فيردهم القرآن إليها في تحد وإفحام: «أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟» .. «قُلْ:هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ..

وإنهم ليعجزون عن البرهان،كما يعجز عنه من يحاوله حتى الآن.وهذه طريقة القرآن في الجدل عن العقيدة.يستخدم مشاهد الكون وحقائق النفس فيجعل الكون كله إطارا للمنطق الذي يأخذ به القلوب ويوقظ به الفطرة ويجلوها لتحكم منطقها الواضح الواصل البسيط ويستجيش به المشاعر والوجدانات بما هو مركوز فيها من الحقائق التي تغشيها الغفلة والنسيان،ويحجبها الجحود والكفران ..ويصل بهذا المنطق إلى تقرير الحقائق العميقة الثابتة في تصميم الكون وأغوار النفس والتي لا تقبل المراء الذي يقود إليه المنطق الذهني البارد،الذي انتقلت عدواه إلينا من المنطق الإغريقي،وفشا فيما يسمى علم التوحيد،أو علم الكلام!

الدرس الثاني:65 - 81 علم الغيب خاص بالله وطبيعة علم القرآن

وبعد هذه الجولة في الآفاق وفي أنفسهم لإثبات الوحدانية ونفي الشرك.يأخذ معهم في جولة أخرى عن الغيب المستور الذي لا يعلمه إلا الخالق الواحد المدبر،وعن الآخرة وهي غيب من غيب اللّه،يشهد المنطق والبداهة والفطرة بضرورته ويعجز الإدراك والعلم البشري عن تحديد موعده: «قُلْ:لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ،وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ،بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها،بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ.وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا:أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ؟ لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ.إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ! قُلْ:سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ.وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ.وَيَقُولُونَ:مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟ قُلْ:عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ.وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ.وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ.وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» .

والإيمان بالبعث والحشر،وبالحساب والجزاء،عنصر أصيل في العقيدة،لا يستقيم منهجها في الحياة إلا به.فلا بد من عالم مرتقب،يكمل فيه الجزاء،ويتناسق فيه العمل والأجر،ويتعلق به القلب،وتحسب حسابه النفس،ويقيم الإنسان نشاطه في هذه الأرض على أساس ما ينتظره هناك.

ولقد وقفت البشرية في أجيالها المختلفة ورسالاتها المتوالية موقفا عجيبا من قضية البعث والدار الآخرة،على بساطتها وضرورتها.فكان أعجب ما تدهش له أن ينبئها رسول أن هناك بعثا بعد الموت وحياة بعد الدثور.ولم تكن معجزة بدء الحياة الواقعة التي لا تنكر تلهم البشرية أن الحياة الأخرى أهون وأيسر.ومن ثم كانت تعرض عن نذير الآخرة،وتستمرئ الجحود والمعصية،وتستطرد في الكفر والتكذيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت