فهرس الكتاب

الصفحة 3362 من 4997

«أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟» .. «تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ!» .ويختم هذه الإيقاعات بسؤال عن خلقتهم وإعادتهم ورزقهم من السماء والأرض،مع التحدي والإفحام: «أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ،وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ؟ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ قُلْ:هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ..

وبدء الخلق حقيقة واقعة لا يملك أحد إنكارها،ولا يمكن أحدا تعليلها بغير وجود اللّه ووحدانيته.وجوده لأن وجود هذا الكون ملجئ للإقرار بوجوده وقد باءت بالفشل المنطقي كل محاولة لتعليل وجود هذا الكون على هذا النحو الذي يظهر فيه التدبير والقصد بغير الإقرار بوجود اللّه.ووحدانيته لأن آثار صنعته ملجئة للإقرار بوحدانيته فعليها آثار التقدير الواحد،والتدبير الواحد وفيها من التناسق المطلق ما يجزم بالإرادة الواحدة المنشئة للناموس الواحد.

فأما إعادة الخلق فهذه التي كانوا يجادلون فيها ويمارون.ولكن الإقرار يبدء الخلق على هذا النحو الذي يظهر فيه التقدير والتدبير والقصد والتنسيق ملجىء كذلك للتصديق بإعادة الخلق،ليلقوا جزاءهم الحق على أعمالهم في دار الفناء،التي لا يتم فيها الجزاء الحق على الأعمال وإن كان يتم فيها أحيانا بعض الجزاء.فهذا التنسيق الواضح في خلقة الكون يقتضي أن يتم تمامه بالتنسيق المطلق بين العمل والجزاء.وهذا لا يتم في الحياة الدنيا.فلا بد إذن من التصديق بحياة أخرى يتحقق فيها التناسق والكمال ..أما لماذا لم يتم في هذه الأرض ذلك التنسيق المطلق بين العمل والجزاء؟ فذلك متروك لحكمة صاحب الخلق والتدبير.وهو سؤال لا يجوز توجيهه لأن الصانع أعلم بصنعته.وسر الصنعة عند الصانع.وهو غيب من غيبه الذي لم يطلع عليه أحدا! ومن هذا التلازم بين الإقرار بمبدىء الحياة والإقرار بمعيدها يسألهم ذلك السؤال: «أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ؟» .. «أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟» ..

والرزق من السماء والأرض متصل بالبدء والإعادة سواء.ورزق العباد من الأرض يتمثل في صور شتى أظهرها النبات والحيوان،والماء والهواء،للطعام والشراب والاستنشاق ومنها كنوز الأرض من معادن وفلزات وكنوز البحر من طعام وزينة.ومنها القوى العجيبة من مغناطيسية وكهرباء،وقوى أخرى لا يعلمها بعد إلا اللّه ويكشف عن شيء منها لعباده آنا بعد آن.

وأما رزقهم من السماء فلهم منه في الحياة الدنيا:الضوء والحرارة والمطر وسائر ما ييسره اللّه لهم من القوى والطاقات.ولهم منه في الآخرة عطاء اللّه الذي يقسمه لهم - وهو من السماء بمدلولها المعنوي،الذي يتردد كثيرا في القرآن والسنة وهو معنى الارتفاع والاستعلاء.

وقد ذكر رزقهم من السماء والأرض بعد ذكر البدء والإعادة،لأن رزق السماء والأرض له علاقة بالبدء والإعادة.فعلاقة رزق الأرض بالبدء معروفة فهو الذي يعيش عليه العباد.وعلاقته بالإعادة أن الناس يجزون في الآخرة على عملهم وتصرفهم في هذا الرزق الذي أعطوه في الدنيا ..وعلاقة رزق السماء بالبدء واضحة.

فهو في الدنيا للحياة،وهو في الآخرة للجزاء ..وهكذا تبدو دقة التناسق في السياق القرآني العجيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت