واللّه يحيي ويميت فليس شيء من أمر البعث بعسير،والحياة تدب في كل لحظة،وتنشأ من حيث لا يدري إلا اللّه.ولم يكف هؤلاء أن تقصر مداركهم عن إدراك حكمة اللّه،وقدرته على البعث،فإذا هم يسخرون مما يوعدون من البعث والجزاء.أن كان هذا الوعد قد قيل لهم ولآبائهم من قبل،ولم يقع بعد! «لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ.إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» ..
والبعث متروك لموعده الذي ضربه اللّه له،وفق تدبيره وحكمته،لا يستقدم ولا يستأخر،تلبية لطلب جيل من أجيال الناس،أو استهزاء جماعة من الغافلين المحجوبين!
ولقد كان مشركو العرب مضطربي العقيدة،لا ينكرون اللّه،ولا ينكرون أنه مالك السماوات والأرض،مدبر السماوات والأرض،المسيطر على السماوات والأرض ..ولكنهم مع ذلك يشركون معه آلهة مدعاة،يقولون:إنهم يعبدونها لتقربهم من اللّه،وينسبون له البنات.سبحانه وتعالى عما يصفون:فهو هنا يأخذهم بمسلماتهم التي يقرون بها،ليصحح ذلك الاضطراب في العقيدة،ويردهم إلى التوحيد الخالص الذي تقود إليه مسلماتهم،لو كانوا يستقيمون على الفطرة ولا ينحرفون: «قُلْ:لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ سَيَقُولُونَ:لِلَّهِ.قُلْ:أَفَلا تَذَكَّرُونَ؟ قُلْ:مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ؟ سَيَقُولُونَ:لِلَّهِ.قُلْ:أَفَلا تَتَّقُونَ؟ قُلْ:مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيء، وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ،إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ سَيَقُولُونَ:لِلَّهِ.قُلْ:فَأَنَّى تُسْحَرُونَ؟» ..
وهذا الجدال يكشف عن مدى الاضطراب الذي لا يفيء إلى منطق،ولا يرتكن إلى عقل ويكشف عن مدى الفساد الذي كانت عقائد المشركين قد وصلت إليه في الجزيرة عند مولد الإسلام.
« قُلْ:لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟» ..فهو سؤال عن ملكية الأرض ومن فيها: «سَيَقُولُونَ:لِلَّهِ» ..ولكنهم مع ذلك لا يذكرون هذه الحقيقة وهم يتوجهون بالعبادة لغير اللّه: «قُلْ:أَفَلا تَذَكَّرُونَ؟» .
«قُلْ:مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» ..فهو سؤال عن الربوبية المدبرة،المصرفة للسماوات السبع والعرش العظيم.والسماوات السبع قد تكون أفلاكا سبعة،أو مجموعات نجمية سبعة،أو سدما سبعة،أو عوالم سبعة،أو أية خلائق فلكية سبعة.والعرش رمز للاستعلاء والهيمنة على الوجود ..فمن هو رب السماوات السبع ورب العرش العظيم؟ «سَيَقُولُونَ:لِلَّهِ» ولكنهم مع ذلك لا يخافون صاحب العرش،ولا يتقون رب السماوات السبع،وهم يشركون معه أصناما مهينة،ملقاة على الأرض لا تريم .. «قُلْ:أَفَلا تَتَّقُونَ» ..
«قُلْ:مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ؟ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟» ..فهو سؤال عن السيطرة والسطوة والسلطان.سؤال عمن بيده ملكية كل شيء ملكية استعلاء وسيطرة.ومن هو الذي يجير بقوته من يشاء فلا يناله أحد ولا يملك أحد أن يجير عليه،وأن ينقذ من يريده بسوء من عباده