فهرس الكتاب

الصفحة 1104 من 4997

لهم: «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ» ..ومن ثم يجيء ذكرها هنا في إبانها المناسب،وفي وقت الحاجة إليها والاضطرار.فما أحوج الخائف في الطريق إلى أن يطمئن قلبه بذكر اللّه.وما أحوج المهاجر من أرضه إلى أن يلتجىء إلى حمى اللّه ..غير أن الصلاة الكاملة - وما فيها من قيام وركوع وسجود - قد تعوق الضارب في الأرض عن الإفلات من كمين قريب.

أو قد تلفت إليه أنظار عدوه فيعرفوه.أو قد تمكن لهم منه وهو راكع أو ساجد فيأخذوه ..ومن ثم هذه الرخصة للضارب في الأرض أن يقصر من الصلاة عند مخافة الفتنة.

والمعنى الذي نختاره في القصر هنا هو المعنى الذي اختاره الإمام الجصاص [1] وهو أنه ليس القصر في عدد الركعات بجعلها اثنتين في الصلاة الرباعية.فهذا مرخص به للمسافر إطلاقا،بلا تخصيص حالة الخوف من الفتنة.بل هذا هو المختار في الصلاة للمسافر - كفعل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في كل سفر - بحيث لا يجوز إكمال الصلاة في السفر في أرجح الأقوال.

وإذن فهذه الرخصة الجديدة - في حالة خوف الفتنة [2] - تعني معنى جديدا غير مجرد القصر المرخص به لكل مسافر.إنما هو قصر في صفة الصلاة ذاتها.كالقيام بلا حركة ولا ركوع ولا سجود ولا قعود للتشهد.حيث يصلي الضارب في الأرض قائما وسائرا وراكبا،ويومىء للركوع والسجود.

وكذلك لا يترك صلته باللّه في حالة الخوف من الفتنة،ولا يدع سلاحه الأول في المعركة،ويأخذ حذره من عدوه: «إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا» .

الدرس الخامس:102 - 103 صلاة الخوف

وبمناسبة الحديث عن صلاة الضارب في الأرض،الخائف من فتنة الذين كفروا،يجيء حكم صلاة الخوف في أرض المعركة وتحتشد جنبات هذا الحكم الفقهي بلمسات نفسية وتربوية شتى:

وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا

(1) - أحكام القرآن للجصاص.الجزء الثاني طبعة المطبعة البهية ص 307،308. ( السيد رحمه الله )

(2) - وأما قوله: { إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } فقد يكون هذا خُرِّج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو في سرية خاصة، وسائر الأحيان حرب الإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة فلا مفهوم له، كقوله { وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } [النور:33] ، وكقوله: (2) { وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ } الآية [النساء:23] .

وعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ،قَالَ:سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قُلْتُ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} وَقَدْ آمَنَ اللَّهُ النَّاسَ ؟ فَقَالَ لِي عُمَرُ:عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ،فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ،فَقَالَ:صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ،فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ.مسند أحمد (عالم الكتب) [1 /128] (174 ) صحيح -تفسير ابن كثير - دار طيبة [2 /394]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت