العقل البشري الأكبر في معرفة نواميس الكون والإبداع في عالم المادة ..وهو ملك عريض!!! يجب أن نحترم الإدراك البشري بالقدر الذي أراده اللّه له من التكريم في مجاله الذي يحسنه - ثم لا نتجاوز به هذا المجال.كي لا نمضي في التيه بلا دليل.إلا دليلا يهجم على ما لا يعرف من مجاهل الطريق ..وهو عندئذ أخطر من المضي بلا دليل [1] !!!
ويمضي السياق يصور حال طائفة أخرى.أو يصف فعلة أخرى لطائفة في المجتمع المسلم: «وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ.وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ،لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ.وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا» ..
والصورة التي يرسمها هذا النص،هي صورة جماعة في المعسكر الإسلامي،لم تألف نفوسهم النظام ولم يدركوا قيمة الإشاعة في خلخلة المعسكر وفي النتائج التي تترتب عليها،وقد تكون قاصمة لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث ولم يدركوا جدية الموقف وأن كلمة عابرة وفلتة لسان،قد تجر من العواقب على الشخص ذاته،وعلى جماعته كلها ما لا يخطر له ببال وما لا يتدارك بعد وقوعه بحال! أو - ربما - لأنهم لا يشعرون بالولاء الحقيقي الكامل لهذا المعسكر وهكذا لا يعنيهم ما يقع له من جراء أخذ كل شائعة والجري بها هنا وهناك،وإذاعتها،حين يتلقاها لسان عن لسان.سواء كانت إشاعة أمن أو إشاعة خوف ..
فكلتاهما قد يكون لإشاعتها خطورة مدمرة! - فإن إشاعة أمر الأمن مثلا في معسكر متأهب مستيقظ متوقع لحركة من العدو ..إشاعة أمر الأمن في مثل هذا المعسكر تحدث نوعا من التراخي - مهما تكن الأوامر باليقظة - لأن اليقظة النابعة من التحفز للخطر غير اليقظة النابعة من مجرد الأوامر! وفي ذلك التراخي قد تكون القاضية! ..
كذلك إشاعة أمر الخوف في معسكر مطمئن لقوته،ثابت الأقدام بسبب هذه الطمأنينة.وقد تحدث إشاعة أمر الخوف فيه خلخلة وارتباكا،وحركات لا ضرورة لها لاتقاء مظان الخوف ..وقد تكون كذلك القاضية! وعلى أية حال فهي سمة المعسكر الذي لم يكتمل نظامه أو لم يكتمل ولاؤه لقيادته.أو هما معا ..ويبدو أن هذه السمة وتلك كانتا واقعتين في المجتمع المسلم حينذاك باحتوائه على طوائف مختلفة المستويات في الإيمان،ومختلفة المستويات في الإدراك،ومختلفة المستويات في الولاء ...وهذه الخلخلة هي التي كان يعالجها القرآن بمنهجه الرباني.
والقرآن يدل الجماعة المسلمة على الطريق الصحيح: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ،لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» .أي لو أنهم ردوا ما يبلغهم من أنباء الأمن أو الخوف إلى الرسول
(1) - يراجع كتاب «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» فصل «الربانية» وفصل «الثبات» وفصل «التوازن» «دار الشروق» ( السيد رحمه الله )