إن ما هم فيه من شرك،وعكوف على الآلهة،وحياة تقوم على هذا الشرك،وتتعدد فيها الأرباب،ومن يقوم وراء الأرباب من السدنة والكهنة،ومن حكام يستمدون سلطانهم من هذا الخليط .. إلى آخر ما يتبع الانحراف عن الألوهية الواحدة من فساد في التصورات وفساد في الحياة .. إن هذا كله هالك باطل ينتظره ما ينتظر كل باطل من الهلاك والدمار في نهاية المطاف! ثم ترتفع نغمة الغيرة في كلمات موسى - عليه السلام - على ربه والغضب له - سبحانه - والتعجب من نسيان قومه لنعمة اللّه عليهم - وهي حاضرة ظاهرة: «قالَ:أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ؟» ..
والتفضيل على العالمين - في زمانهم يتجلى في اختيارهم لرسالة التوحيد من بين المشركين. وليس وراء ذلك فضل ولا منة. فهذا ما لا يعدله فضل ولا منة. كما أنه اختارهم ليورثهم الأرض المقدسة - التي كانت إذ ذاك في أيد مشركة - فكيف بعد هذا كله يطلبون إلى نبيهم أن يطلب لهم إلها غير اللّه وهم في نعمته وفضله يتقلبون؟! وعلى طريقة القرآن الكريم في وصل ما يحكيه عن أولياء اللّه بما يحكيه عن اللّه - سبحانه - يستطرد السياق بخطاب من اللّه تعالى موصول بكلام موسى - عليه السلام - موجه كذلك لقومه: «وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ،يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ. وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ» ..
وفي مثل هذا الوصل في القرآن الكريم،بين كلام اللّه - سبحانه - وما يحكيه من كلام أوليائه،تكريم أي تكريم لهؤلاء الأولياء لا ريب فيه! وهذه المنة التي يمتنها اللّه على بني إسرائيل - في هذا الموضع - كانت حاضرة في أذهانهم وأعصابهم.
ولقد كانت هذه المنة وحدها كفيلة بأن تذكر وتشكر .. واللّه سبحانه وتعالى يوجه قلوبهم لما في ذلك الابتلاء من عبرة .. ابتلاء العذاب وابتلاء النجاة. الابتلاء بالشدة والابتلاء بالرخاء ..
«وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ» ..فما كان شيء من ذلك كله جزافا بلا تقدير. ولكنه الابتلاء للموعظة وللتذكير. وللتمحيص والتدريب.
وللإعذار قبل الأخذ الشديد. إن لم يفلح الابتلاء في استصلاح القلوب!
وينتهي هذا المشهد بين موسى وقومه،ليبدأ المشهد الثامن الذي يليه .. مشهد تهيؤ موسى - عليه السلام - للقاء ربه العظيم واستعداده للموقف الهائل بين يديه في هذه الحياة الدنيا ووصيته لأخيه هارون - عليه السلام - قبل ذهابه لهذا اللقاء العظيم: « وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً،وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ،فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً .. وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ:اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي،وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» ..
لقد انتهت المرحلة الأولى من مهمة موسى التي أرسل لها. انتهت مرحلة تخليص بني إسرائيل من حياة الذل والهوان والنكال والتعذيب بين فرعون وملئه وإنقاذهم من أرض الذل والقهر إلى الصحراء