أرسله إليهم،يقدم حسابه،ويبث شكواه،في هذا البيان المفصل،وفي هذه اللهجة المؤثرة.ومن هذا البيان الدقيق نطلع على تلك الصورة النبيلة من الصبر والجهد والمشقة،وهي حلقة واحدة في سلسلة الرسالة السماوية لهذه البشرية الضالة العصية! فماذا كان بعد كل هذا البيان؟
«قالَ نُوحٌ:رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي،وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسارًا.وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا.وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ،وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا.وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا.وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا» ..
رب إنهم عصوني! بعد كل هذا الجهاد،وبعد كل هذا العناء.وبعد كل هذا التوجيه.وبعد كل هذا التنوير.وبعد الإنذار والإطماع والوعد بالمال والبنين والرخاء ..بعد هذا كله كان العصيان.وكان السير وراء القيادات الضالة المضللة،التي تخدع الأتباع بما تملك من المال والأولاد،ومظاهر الجاه والسلطان.ممن « لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسارًا» فقد أغراهم المال والولد بالضلال والإضلال،فلم يكن وراءهما إلا الشقاء والخسران.هؤلاء القادة لم يكتفوا بالضلال .. «وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا» .مكرا متناهيا في الكبر.مكروا لإبطال الدعوة وإغلاق الطريق في وجهها إلى قلوب الناس.ومكروا لتزيين الكفر والضلال والجاهلية التي تخبط فيها القوم.
وكان من مكرهم تحريض الناس على الاستمساك بالأصنام التي يسمونها آلهة: «وَقالُوا:لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ» ..بهذه الإضافة: «آلِهَتَكُمْ» لإثارة النخوة الكاذبة والحمية الآثمة في قلوبهم.وخصصوا من هذه الأصنام أكبرها شأنا فخصوها بالذكر ليهيج ذكرها في قلوب العامة المضللين الحمية والاعتزاز .. «وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا،وَلا سُواعًا،وَلا يَغُوثَ،وَيَعُوقَ،وَنَسْرًا» ..وهي أكبر آلهتهم التي ظلت تعبد في الجاهليات بعدهم إلى عهد الرسالة المحمدية.
وهكذا تلك القيادات الضالة المضللة تقيم أصناما،تختلف أسماؤها وأشكالها،وفق النعرة السائدة في كل جاهلية وتجمع حواليها الأتباع،وتهيج في قلوبهم الحمية لهذه الأصنام،كي توجههم من هذا الخطام إلى حيث تشاء،وتبقيهم على الضلال الذي يكفل لها الطاعة والانقياد: «وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا» ككل قيادة ضالة تجمع الناس حول الأصنام ..أصنام الأحجار.وأصنام الأشخاص.وأصنام الأفكار ..سواء!! للصد عن دعوة اللّه،وتوجيه القلوب بعيدا عن الدعاة،بالمكر الكبّار،والكيد والإصرار!
هنا انبعث من قلب النبي الكريم نوح - عليه السلام - ذلك الدعاء على الظالمين الضالين المضلين،الماكرين الكائدين: «وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا» ..
ذلك الدعاء المنبعث من قلب جاهد طويلا،وعانى كثيرا،وانتهى - بعد كل وسيلة - إلى اقتناع بأن لا خير في القلوب الظالمة الباغية العاتية وعلم أنها لا تستحق الهدى ولا تستأهل النجاة.