ريبة أن هؤلاء الشركاء ليس لهم من الأمر شيء،وليس لهم شأن لا في دنيا ولا في آخرة،وأن المرد للّه وحده،وأن المسرفين المتجاوزين للحد في الادعاء سيكونون أهل النار: «لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ.وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ.وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ» .
وماذا يبقى بعد هذا البيان الواضح الشامل للحقائق الرئيسية في العقيدة؟ وقد جهر بها الرجل في مواجهة فرعون وملئه بلا تردد ولا تلعثم،بعد ما كان يكتم إيمانه،فأعلن عنه هذا الإعلان؟ لا يبقى إلا أن يفوض أمره إلى اللّه،وقد قال كلمة وأراح ضميره،مهددا إياهم بأنهم سيذكرون كلمته هذه في موقف لا تنفع فيه الذكرى.
والأمر كله إلى اللّه: «فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ،وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ،إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ» ..
وينتهي الجدل والحوار.وقد سجل مؤمن آل فرعون كلمته الحق خالدة في ضمير الزمان.
ويجمل السياق حلقات القصة بعد هذا.وما كان بين موسى وفرعون وبني إسرائيل.إلى موقف الغرق والنجاة:ويقف ليسجل «لقطات» بعد هذا الموقف الأخير.وبعد الحياة: « فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا،وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ.النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا،وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ.«وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ،فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا:إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا،فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ؟ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا:إِنَّا كُلٌّ فِيها،إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ.وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ:ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ.قالُوا:أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ؟ قالُوا:بَلى .قالُوا:فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ» ..
لقد طويت الدنيا،وعرضت أول صفحة بعدها.فإذا الرجل المؤمن الذي قال كلمة الحق ومضى،قد وقاه اللّه سيئات مكر فرعون وملئه،فلم يصبه من آثارها شيء في الدنيا،ولا فيما بعدها أيضا.بينما حاق بآل فرعون سوء العذاب: «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا.وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ» .والنص يلهم أن عرضهم على النار غدوا وعشيا،هو في الفترة من بعد الموت إلى قيام الساعة.وقد يكون هذا هو عذاب القبر.إذ أنه يقول بعد هذا: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ» ..فهو إذن عذاب قبل يوم القيامة.وهو عذاب سيىء.عرض على النار في الصباح وفي المساء.إما للتعذيب برؤيتها وتوقع لذعها وحرها - وهو عذاب شديد - وإما لمزاولتها فعلا.فكثيرا ما يستعمل لفظ العرض للمس والمزاولة.
وهذه أدهى ..ثم إذا كان يوم القيامة أدخلوا أشد العذاب! فأما في الآية التالية فقد كانت القيامة فعلا،والسياق يلتقط لهم موقفا في النار! وهم يتحاجون فيها: «فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا:إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا.فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ؟» .