وبروز مثل هذا الحجم في ضرس أو سن يجعله يصطك بما يقابله ويحتك! ووجود ورقة كورقة السيجارة بين الفكين العلوي والسفلي يجعلها تتأثر بضغط الفكين عليها فتظهر فيها علامات الضغط لأنها من الدقة بحيث يلتقيان تماما ليمضغ الفك ويطحن ما هو في سمك ورقة السيجارة! ثم ..إن هذا الإنسان بتكوينه هذا مجهز ليعيش في هذا الكون ..عينه هذه مقيسة على الذبذبات الضوئية التي تقتضي وظيفته في الأرض أن يراها.وأذنه تلك مقيسة على الذبذبات الصوتية التي تقتضي وظيفته في الأرض أن يسمعها.وكل حاسة فيه أو جارحة مصممة وفق الوسط المهيأ لحياته،ومجهزة كذلك بالقدرة على التكيف المحدود عند تغير بعض الظروف.
إنه مخلوق لهذا الوسط.ليعيش فيه،ويتأثر به،ويؤثر فيه.وهناك ارتباط وثيق بين تصميم هذا الوسط وتكوين هذا الإنسان.وتصوير الإنسان على هذه الصورة ذو علاقة بوسطه.أي بالأرض والسماء.ومن ثم يذكر القرآن صورته في نفس الآية التي يذكر فيها الأرض والسماء ..ألا إنه الإعجاز في هذا القرآن ..
وتكفي هذه الإشارات بهذا الاختصار إلى دقة صنع اللّه وتناسقه بين الكون والإنسان.
ونقف وقفات سريعة أمام النصوص القرآنية: «اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا» ..
إن السكون بالليل ضرورة لكل حي.ولا بد من فترة من الظلام تسكن فيه الخلايا الحية وتستكن لتزاول نشاطها في النور.ولا يكفي مجرد النوم لتوفير هذا السكون.بل لا بد من ليل.لا بد من ظلام.فالخلية الحية التي تتعرض لضوء مستمر تصل إلى حد من الإجهاد تتلف معه أنسجتها لأنها لم تتمتع بقسط ضروري لها من السكون.
«وَالنَّهارَ مُبْصِرًا» ..والتعبير على هذا النحو تعبير مصور مشخص.وكأنما النهار حي يبصر ويرى.وإنما الناس هم الذين يبصرون فيه.لأن هذه هي الصفة الغالبة ..
وتقلب الليل والنهار على هذا النحو نعمة في طيها نعم.ولو كان أحدهما سرمدا.بل لو كان أطول مما هو مرات معدودة لانعدمت الحياة.فلا عجب أن يقرن توالي الليل والنهار بذكر الفضل الذي لا يشكره أكثر الناس: «إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ،وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ» ..
ويعقب على هاتين الظاهرتين الكونيتين،بأن الذي خلقهما هو الذي يكون إلها يستحق هذا الاسم العظيم: «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيء،لا إِلهَ إِلَّا هُوَ،فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ؟» ..
وإنه لعجيب يستحق التعجيب أن يرى الناس يد اللّه في كل شيء،ويعلموا أنه الخالق لكل شيء معرفة حتمية مفروضة على العقل فرضا بحكم وجود الأشياء،واستحالة ادعاء أحد أنها من خلقه،وعدم استقامة القول بأنها وجدت من غير موجد.عجيب يستحق التعجيب أن يكون هذا كله،ثم يصرف الناس عن الإيمان والإقرار .. «فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ؟» ..