الآن بعد تلك الوقفة الطويلة للتعقيب على قصة النشأة الأولى ومواجهة واقع الجاهلية العربية - وواقع الجاهلية البشرية كلها من ورائها - في شأن ستر الجسم باللباس وستر الروح بالتقوى وعلاقة القضية كلها بقضية العقيدة الكبرى ..
الآن يبدأ نداء جديد لبني آدم .. نداء بشأن القضية الكلية التي ربطت بها قضية اللباس في الوقفة السابقة ..
قضية التلقي والاتباع في شعائر الدين وفي شرائعه،وفي أمر الحياة كلها وأوضاعها. وذلك لتحديد الجهة التي يتلقون منها .. إنها جهة الرسل المبلغين عن ربهم. وعلى أساس الاستجابة أو عدم الاستجابة للرسل يكون الحساب والجزاء،في نهاية الرحلة التي يعرضها السياق في هذه الجولة:
الدرس الأول:35 - 36 دعوة الرسل واختلاف الناس فيها
«يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي:فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» .
هذا هو عهد اللّه لآدم وبنيه،وهذا هو شرطه في الخلافة عنه - سبحانه - في أرضه التي خلقها وقدر فيها أقواتها،واستخلف فيها هذا الجنس،ومكنه فيها،ليؤدي دوره وفق هذا الشرط وذلك العهد وإلا فإن عمله ردّ في الدنيا لا يقبله ولا يمضيه مسلم للّه وهو في الآخرة وزر جزاؤه جهنم لا يقبل اللّه من أصحابه صرفا ولا عدلا. «فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» .
لأن التقوى تنأى بهم عن الآثام والفواحش - وأفحش الفواحش الشرك باللّه واغتصاب سلطانه وادعاء خصائص ألوهيته - وتقودهم إلى الطيبات والطاعات وتنتهي بهم إلى الأمن من الخوف والرضى عن المصير.
« وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها،أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» .. لأن التكذيب والاستكبار عن الاستسلام لعهد اللّه وشرطه يلحق المستكبرين بوليهم إبليس في النار حيث يحق وعد اللّه: «لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ» ..
الدرس الثاني:مقدمة الدرس
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية: «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ» .. ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء .. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حيا متحركا يراه قارئ القرآن وسامعه ويشهده،بكل كينونته.