يوم يكون ذلك الدخان الذي شهدتم مشهده في تصوير القرآن له. «إِنَّا مُنْتَقِمُونَ» من هذا اللعب الذي تلعبون،وذلك البهت الذي تبهتون به الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ تقولون عنه: «مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ» ..وهو الصادق الأمين ..بهذا يستقيم تفسير هذه الآيات،كما يبدو لنا،واللّه أعلم بما يريد.
بعد ذلك يأخذ بهم في جولة أخرى مع قصة موسى عليه السّلام.فيعرضها في اختصار ينتهي ببطشة كبرى في هذه الأرض.بعد إذ أراهم بطشته الكبرى يوم تأتي السماء بدخان مبين: « وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ،وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ:أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ،إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ.وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ.وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ،وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ.«فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ..فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ.وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا،إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ.«كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ.وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ.كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ.فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ.«وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ.مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ.وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ.وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ» ..
هذه الجولة تبدأ بلمسة قوية لإيقاظ قلوبهم إلى أن إرسال الرسول لقومه قد يكون فتنة وابتلاء.والإملاء للمكذبين فترة من الزمان،وهم يستكبرون على اللّه،ويؤذون رسول اللّه والمؤمنين معه قد يكون كذلك فتنة وابتلاء.وأن إغضاب الرسول واستنفاد حلمه على أذاهم ورجائه في هدايتهم قد يكون وراءه الأخذ الأليم والبطش الشديد: «وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ» ..وابتليناهم بالنعمة والسلطان،والتمكين في الأرض،والإملاء في الرخاء،وأسباب الثراء والاستعلاء. «وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ» ..وكان هذا طرفا من الابتلاء ،ينكشف به نوع استجابتهم للرسول الكريم،الذي لا يطلب منهم شيئا لنفسه إنما يدعوهم إلى اللّه،ويطلب إليهم أن يؤدوا كل شيء للّه،وألا يستبقوا شيئا لا يؤدونه من ذوات أنفسهم يضنون به على اللّه: «أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ.وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ.وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ.وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ» ..إنها كلمات قصيرة تلك التي جاءهم بها رسولهم الكريم - موسى عليه السّلام:
إنه يطلب إليهم الاستجابة الكلية.والأداء الكامل.والاستسلام المطلق [1] .الاستسلام المطلق للّه.الذي هم عباده.وما ينبغي للعباد أن يعلوا على اللّه.فهي دعوة اللّه يحملها إليهم الرسول،ومعه البرهان على أنه رسول اللّه إليهم.البرهان القوي والسلطان المبين،الذي تذعن له القلوب وهو يتحصن بربه ويعوذ
(1) -هناك تفسير آخر لقوله تعالى: «أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ» .أي أعطوني بني إسرائيل عباد اللّه.وأدوهم إلي ولا تحجز وهم للسخرة والعذاب.وذلك كقوله: «أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ولا تعذبهم» . ( السيد رحمه الله )