والشوط الثالث يرجع بهم إلى مصرع عاد،عند ما كذبوا بالنذير.ويعرض من القصة حلقة الريح العقيم،التي توقعوا فيها الري والحياة فإذا بها تحمل إليهم الهلاك والدمار،والعذاب الذي استعجلوا به وطلبوه: « فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا:هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا،بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ،رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ،تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها،فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ،كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ» ..ويلمس قلوبهم بهذا المصرع،وهو يذكرهم بأن عادا كانوا أشد منهم قوة وأكثر ثروة: «وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ،وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً،فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ.إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ،وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» ..ويذكرهم في نهاية الشوط مصارع ما حولهم من القرى،وعجز آلهتهم المدعاة عن نصرتهم،وظهور إفكهم وافترائهم.لعلهم يتأثرون ويرجعون ..
ويتناول الشوط الرابع قصة نفر من الجن مع هذا القرآن،حين صرفهم اللّه لاستماعه،فلم يملكوا أنفسهم من التأثر والاستجابة،والشهادة له بأنه الحق: «مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ» ..وعادوا ينذرون قومهم ويحذرونهم ويدعونهم إلى الإيمان: «يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ،يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ،وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ.وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ،وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ،أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ..
وتتضمن مقالة النفر من الجن الإشارة إلى كتاب الكون المفتوح الناطق بقدرة اللّه على البدء والإعادة: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ؟ بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..وهنا يلمس قلوبهم بمشهد الذين كفروا يوم يعرضون على النار،فيقرون بما كانوا ينكرون،ولكن حيث لا مجال لإقرار أو يقين!
وتختم السورة بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الصبر وعدم الاستعجال لهم بالعذاب،فإنما هو أجل قصير يمهلونه،ثم يأتيهم العذاب والهلاك: «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ،كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ.بَلاغٌ.فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ؟» ..
والآن نأخذ في تفصيل هذه الأشواط ..
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ