فالوفاء عدل وقسط.والمنع ظلم وجور.والناس في هذا الباب صنفان:مقسط قائم بعهد اللّه معه إن أعطاه النعمة وفى وشكر.وظالم ناكث لعهد اللّه،لم يعط الحق ولم يشكر .. «وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ» ..
وإخفاء الصدقة حين تكون تطوعا أولى وأحب إلى اللّه وأجدر أن تبرأ من شوائب التظاهر والرياء.فأما حين تكون أداء للفريضة فإن إظهارها فيه معنى الطاعة،وفشوّ هذا المعنى وظهوره خير ..ومن ثم تقول الآية: «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ.وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» ..فتشمل هاتين الحالتين،وتعطي كل حالة ما يناسبها من التصرف وتحمد هذه في موضعها وتلك في موضعها وتعد المؤمنين على هذه وتلك تكفير السيئات: «وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ» ..
وتستجيش في قلوبهم التقوى والتحرج من جانب،والطمأنينة والراحة من جانب آخر،وتصلها باللّه في النية والعمل في جميع الأحوال: «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» ..
ولا بد أن نلحظ طول التوجيه إلى الإنفاق وتنوع أساليب الترغيب والترهيب بصدده لندرك أمرين:
الأول:بصر الإسلام بطبيعة النفس البشرية وما يخالجها من الشح بالمال،وحاجتها إلى التحريك المستمر والاستجاشة الدائبة لتستعلي على هذا الحرص وتنطلق من هذا الشح،وترتفع إلى المستوي الكريم الذي يريده اللّه للناس.والثاني:ما كان يواجهه القرآن من هذه الطبيعة في البيئة العربية التي اشتهرت شهرة عامة بالسخاء والكرم ..ولكنه كان سخاء وكرما يقصد به الذكر والصيت وثناء الناس وتناقل أخباره في المضارب والخيام! ولم يكن أمرا ميسورا أن يعلمهم الإسلام أن يتصدقوا دون انتظار لهذا كله،متجردين من هذا كله،متجهين للّه وحده دون الناس.وكان الأمر في حاجة إلى التربية الطويلة،والجهد الكثير،والهتاف المستمر بالتسامي والتجرد والخلاص! ..وقد كان ..
ومن ثم لفتة من خطاب الذين آمنوا إلى خطاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفتة لتقرير جملة حقائق كبيرة،ذات أثر عميق في إقامة التصور الإسلامي على قواعده،وفي استقامة السلوك الإسلامي على طريقه: «لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ،وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ.وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ.وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ.وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ» ..
روى ابن أبي حاتم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -:"أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِأَلا يُصَّدَّقَ إِلا عَلَى أَهْلِ الإِسْلامِ"،حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:"لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ"إِلَى آخِرِهَا،فَأَمَرَ بِالصَّدَقَةِ بَعْدَهَا عَلَى كُلِّ مَنْ سَأَلَكَ،مِنْ كُلِّ دِينٍ". [1] .."
(1) - تفسير ابن أبي حاتم [2 /332] ( 2899) حسن