تَصْبِرُونَ عَلَيْهَا إِذَا مَسَّتْكُمْ وَقُتِلَ خِيَارُكُمْ وَمُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللهِ , وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً فَذَرُوهُ فَهُوَ أَعْذَرُ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ , فَقَالُوا يَا أَسْعَدُ أَمِطْ عَنْهُ يَدَكَ فَوَاللهِ لَا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ وَلَا نَسْتَقِيلُهَا , قَالَ:فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا يَأْخُذُ عَلَيْنَا بِشَرْطِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ ." [1] "
هكذا .. «الجنة» ..والجنة فقط! لم يقل:النصر والعز والوحدة.والقوة.والتمكين.والقيادة.والمال.
والرخاء - مما منحهم اللّه وأجراه على أيديهم - فذلك كله خارج عن الصفقة! وهكذا ..ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل ..لقد أخذوها صفقة بين متبايعين أنهي أمرها،وأمضي عقدها.
ولم تعد هناك مساومة حولها! وهكذا ربى اللّه الجماعة التي قدر أن يضع في يدها مقاليد الأرض،وزمام القيادة،وسلمها الأمانة الكبرى بعد أن تجردت من كل أطماعها،وكل رغباتها،وكل شهواتها،حتى ما يختص منها بالدعوة التي تحملها،والمنهج الذي تحققه،والعقيدة التي تموت من أجلها.فما يصلح لحمل هذه الأمانة الكبرى من بقي له أرب لنفسه في نفسه،أو بقيت فيه بقية لم تدخل في السلم كافة [2] .
وقبل ختام السورة يعود السياق إلى أهل الكتاب،فيقرر أن فريقا منهم يؤمن إيمان المسلمين،وقد انضم إلى موكب الإسلام معهم.وسار سيرتهم.وله كذلك جزاؤهم: «وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ،وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ.خاشِعِينَ لِلَّهِ،لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ.إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ» .
إنه الحساب الختامي مع أهل الكتاب.وقد ذكر من طوائفهم ومواقفهم فيما سبق من السورة الكثير.ففي معرض الإيمان،وفي مشهد الدعاء والاستجابة،يذكر كذلك أن من أهل الكتاب من سلكوا الطريق،وانتهوا إلى النهاية.فآمنوا بالكتاب كله،ولم يفرقوا بين اللّه ورسله،ولم يفرقوا بين أحد من رسله.آمنوا بما أنزل إليهم من قبل،وآمنوا بما أنزل للمسلمين - وهذه سمة هذه العقيدة التي تنظر إلى موكب الإيمان نظرة القرب والود وتنظر إلى خط العقيدة موصولا باللّه،وتنظر إلى منهج اللّه في وحدته وكليته الشاملة،ويبرز من سمات المؤمنين من أهل الكتاب:سمة الخشوع للّه وسمة عدم شرائهم بآياته ثمنا قليلا ..ليفرقهم بهذا من صفوف أهل الكتاب،وسمتهم الأصيلة هي التبجح وقلة الحياء من اللّه.ثم التزوير والكتمان لآيات اللّه،لقاء أعراض الحياة الرخيصة! ويعدهم أجر المؤمنين عند اللّه.الذي لا يمطل المتعاملين معه - حاشاه - ! «إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ» ..
(1) - أخبار مكة للفاكهي - (4 / 232) (2540 ) صحيح لغيره
(2) - راجع ص 206 - 212 من الجزء الثاني في تفسير قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً» . ( السيد رحمه الله )