وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)
هذا الشوط الطويل كله - بالإضافة إلى الشوط الذي سبقه والتعقيبات عليه - في سياق سورة مكية،من القرآن المكي الذي كان موضوعه هو العقيدة والذي لم يتعرض لشيء من الشريعة - إلا ما يختص بتأصيل أصلها الاعتقادي - حيث لم تكن للإسلام دولة تنفذ شريعته فصان اللّه هذه الشريعة أن تصبح حديث ألسن،وموضوعات دراسة قبل أن يهيئ لها المجتمع الذي يدخل في السلم كافة،ويسلم نفسه للّه جملة،ويعبد اللّه بالطاعة لشريعته وقبل أن يهيئ لها الدولة ذات السلطان،التي تحكم بهذه الشريعة بين الناس فعلا وتجعل معرفة الحكم مقرونة بتنفيذه،كما هي طبيعة هذا الدين،وكما هو منهجه،الذي يكفل له الجدية والحرارة والوقار ..
نقول:هذا الشوط الطويل كله في سورة مكية يتناول قضية التشريع والحاكمية. فيدل على طبيعة هذه القضية - إنها قضية عقدية .. ويدل على جدية هذه القضية في هذا الدين .. إنها قضيته الرئيسية [1]
وقبل أن نمضي في مواجهة النصوص تفصيلا،نحب أن نعيش في ظلال السياق القرآني بجملته .. لنرى محتوياته على وجه الإجمال. ولنرى دلالته وإيحاءاته كذلك ..
إنه يبدأ بعرض مجموعة التصورات والمزاعم الجاهلية حول ما كانوا يزاولونه في شأن الثمار والأنعام والأولاد - أي في شأن المال والاجتماع - في جاهليتهم. فنجد هذه التصورات والمزاعم تتمثل في:
1 -تقسيمهم ما رزقهم اللّه من رزق،وأنشأ لهم من زروع وأنعام،إلى قسمين:قسم يجعلونه للّه - زاعمين أن هذا مما شرعه اللّه - وقسم يجعلونه لشركائهم - وهي الآلهة المدعاة التي يشركونها في أنفسهم وأموالهم وأولادهم من دون اللّه: «وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا. فَقالُوا:هذا لِلَّهِ - بِزَعْمِهِمْ - وَهذا لِشُرَكائِنا» !
2 -أنهم بعد ذلك،يجورون على النصيب الذي قسموه للّه. فيأخذون جانبا منه ويضمونه إلى ما قسموه لشركائهم،ولا يفعلون مثل ذلك فيما قسموه للشركاء!: «فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ،وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ» !
3 -أنهم يقتلون أولادهم بتزيين من الشركاء - وهم في هذه الحالة إنما هم الكهان والمشترعون فيهم - ممن يصنعون التقاليد التي يخضع لها الأفراد في المجتمع،بحكم الضغط الاجتماعي من
(1) - يراجع بتوسع فصل: «عبودية وألوهية» في القسم الثاني من كتاب: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )