العميق يحيط بهذا كله في كل مكان وفي كل زمان ..وكل قلب وما فيه من نوايا وخواطر وما له من حركات وسكنات تحت عين اللّه،وهو مع هذا يستر ويغفر .. «وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ» ..
وإن آية واحدة من القرآن كهذه الآية لمما يوحي بأن هذا القرآن ليس من قول البشر.فمثل هذا الخاطر الكوني لا يخطر بطبيعته على قلب بشر ومثل هذا التصور الكوني لا دافع إليه من طبيعة تصور البشر،ومثل هذه الإحاطة باللمسة الواحدة تتجلى فيها صنعه اللّه بارئ هذا الوجود! التي لا تشبهها صنعة العبيد!
وبعد تقرير تلك الحقيقة في تلك الصورة الرائعة الواسعة المدى الفسيحة المجال يحكي إنكار الذين كفروا بمجيء الساعة وهم القاصرون الذين لا يعلمون ماذا يأتيهم به الغد واللّه هو العليم بالغيب الذي لا يند عن علمه شيء في السماء ولا في الأرض والساعة لا بد منها ليلاقي المحسن والمسيء جزاء ما قدما في هذه الأرض: «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا:لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ:قُلْ:بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ،عالِمِ الْغَيْبِ،لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ،وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ» ..
وإنكار الذين كفروا للآخرة ناشئ من عدم إدراكهم لحكمة اللّه وتقديره.فحكمة اللّه لا تترك الناس سدى،يحسن منهم من يحسن ويسيء منهم من يسيء ثم لا يلقى المحسن جزاء إحسانه،ولا يلقى المسيء جزاء إساءته.وقد أخبر اللّه على لسان رسله:أنه يستبقي الجزاء كله أو بعضه للآخرة.فكل من يدرك حكمة اللّه في خلقه يدرك أن الآخرة ضرورية لتحقيق وعد اللّه وخبره ..ولكن الذين كفروا محجوبون عن تلك الحكمة.
ومن ثم يقولون قولتهم هذه: «لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ» ..فيرد عليهم مؤكدا جازما: «قُلْ:بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ» ..وصدق اللّه تعالى وصدق رسول اللّه - عليه صلوات اللّه - وهم لا يعلمون الغيب ومع ذلك يتأولون على اللّه،ويجزمون بما لا علم لهم به.واللّه الذي يؤكد مجيء الساعة هو: «عالِمِ الْغَيْبِ» ..فقوله الحق عن علم بما هنالك وعن يقين.
ثم يعرض هذا العلم في صورة كونية كالتي سبقت في مطلع السورة،تشهد هي الأخرى بأن هذا القرآن لا يكون من صنع بشر،لأن خيال البشر لا تخطر له عادة مثل هذه الصور: «لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» ..
ومرة أخرى نقول:إن طبيعة هذا التصور ليست بشرية.وإنه ليست لها سابقة في كلام البشر شعره ونثره على السواء.فعندما يتحدث البشر عن شمول العلم ودقته وإحاطته لا يخطر على بالهم أن