ويمحض السياق وظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا المقام للإنذار: «إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ» ..لما يقتضيه التكذيب والاستهزاء واستعجال العذاب من إبراز الإنذار.ثم يأخذ في تفصيل المصير:فأما الذين آمنوا وأتبعوا إيمانهم بثمرته التي تدل على تحققه: «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» فجزاؤهم «مغفرة من ربهم،لما سلف من ذنوبهم أو تقصيرهم،«وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» غير متهم ولا مهين! وأما الذين بذلوا غاية جهدهم في تعطيل آيات اللّه عن أن تبلغ القلوب،وتتحقق في حياة الناس - وآيات اللّه هي دلائله على الحق وهي شريعته كذلك للخلق - فأما هؤلاء فقد جعلهم مالكين للجحيم - ويا لسوئها من ملكية - في مقابل ذلك الرزق الكريم!
واللّه الذي يحفظ دعوته من تكذيب المكذبين،وتعطيل المعوقين،ومعاجزة المعاجزين ..يحفظها كذلك من كيد الشيطان،ومن محاولته أن ينفذ إليها من خلال أمنيات الرسل النابعة من طبيعتهم البشرية.وهم معصومون من الشيطان ولكنهم بشر تمتد نفوسهم إلى أمانيّ تتعلق بسرعة نشر دعوتهم وانتصارها وإزالة العقبات من طريقها.فيحاول الشيطان أن ينفذ من خلال أمانيهم هذه فيحول الدعوة عن أصولها وعن موازينها ..فيبطل اللّه كيد الشيطان،ويصون دعوته،ويبين للرسول أصولها وموازينها،فيحكم آياته،ويزيل كل شبهة في قيم الدعوة ووسائلها: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ،فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ،ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ،وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ،وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ.وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ،وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ..
بيان بطلان قصة الغرانيق
لقد رويت في سبب نزول هذه الآيات روايات كثيرة ذكرها كثير من المفسرين.قال ابن كثير في تفسيره: « قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغَرَانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظَنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا.ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم.» [1] .
عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ:"وَتَسْمِيَةُ الَّذِينَ خَرَجُوا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْمَرَّةَ الأُولَى قَبْلَ خُرُوجِ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ:عُثْمَانُ بن مَظْعُونٍ، وَعُثْمَانُ بن عَفَّانَ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقْيَةُ بنتُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَعَبْدُ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بن عُتْبَةَ بن رَبِيعَةَ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ سَهْلَةُ بنتُ سُهَيْلِ بن عَمْرٍو، وَوَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مُحَمَّدَ بن أَبِي حُذَيْفَةَ، وَالزُّبَيْرُ بن الْعَوَّامِ، وَمُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ أَخُو"
(1) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [5 /441]