بعد هذا لأن يقال:إن إرادة اللّه تتدخل لترغمهم على الانحراف ثم يعاقبهم عليه اللّه! إنما هم متروكون لاختيار طريقهم وهذه هي إرادة اللّه.وكل ما يصدر عنهم من خير أو شر.من هدى ومن ضلال.يتم وفق مشيئة اللّه على هذا المعنى الذي فصلناه.ومن ثم يعقب على هذا بخطاب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقرر سنة اللّه في الهدى والضلال: «إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ» .
فليس الهدى أو الضلال بحرص الرسول على هدى القوم أو عدم حرصه،فوظيفته البلاغ.أما الهدى أو الضلال فيمضي وفق سنة اللّه وهذه السنة لا تتخلف ولا تتغير عواقبها،فمن أضله اللّه لأنه استحق الضلال وفق سنة اللّه،فإن اللّه لا يهديه،لأن للّه سننا تعطي نتائجها.وهكذا شاء.واللّه فعال لما يشاء. «وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ» ينصرونهم من دون اللّه.
ومقولة ثالثة من مقولات المنكرين المستكبرين: « وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ.بَلى .وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا،وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ،وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ.إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ:كُنْ.فَيَكُونُ» ..
ولقد كانت قضية البعث دائما هي مشكلة العقيدة عند كثير من الأقوام منذ أن أرسل اللّه رسله للناس،يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر،ويخوفونهم حساب اللّه يوم البعث والحساب.
وهؤلاء المشركون من قريش أقسموا باللّه جهد أيمانهم لا يبعث اللّه من يموت! فهم يقرون بوجود اللّه ولكنهم ينفون عنه بعث الموتى من القبور.يرون هذا البعث أمرا عسيرا بعد الموت والبلى وتفرق الأشلاء والذرات!.
وغفلوا عن معجزة الحياة الأولى ..وغفلوا عن طبيعة القدرة الإلهية،وأنها لا تقاس إلى تصورات البشر وطاقتهم.وأن إيجاد شيء لا يكلف تلك القدرة شيئا فيكفي أن تتوجه الإرادة إلى كون الشيء ليكون.وغفلوا كذلك عن حكمة اللّه في البعث.وهذه الدنيا لا يبلغ أمر فيها تمامه.فالناس يختلفون حول الحق والباطل،والهدى والضلال،والخير والشر.وقد لا يفصل بينهم فيما يختلفون فيه في هذه الأرض لأن إرادة اللّه شاءت أن يمتد ببعضهم الأجل،وألا يحل بهم عذابه الفاصل في هذه الديار.حتى يتم الجزاء في الآخرة ويبلغ كل أمر تمامه هناك.والسياق يرد على تلك المقولة الكافرة،ويكشف ما يحيط بها في نفوس القوم من شبهات فيبدأ بالتقرير: «بَلى .وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا» ومتى وعد اللّه فقد كان ما وعد به لا يتخلف بحال من الأحوال «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» حقيقة وعد اللّه.
وللأمر حكمته: «لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ،وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ» فيما ادعوا أنهم على الهدى وفيما زعموا من كذب الرسل،ومن نفي الآخرة وفيما كانوا فيه من اعتقاد ومن فساد.والأمر بعد ذلك هين: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ:كُنْ.فَيَكُونُ» ..