فهرس الكتاب

الصفحة 3853 من 4997

ندعو من قبل شيئا.فقد كانت كلها أوهاما وأضاليل! وعلى إثر الجواب البائس يجيء التعقيب العام: «كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ» ..

ثم يوجه إليهم التأنيب الأخير: «ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ،وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ.ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ» ..

يا مغيث! وأين إذن كان السحب في السلاسل والأغلال،وكان الماء الحار والنار؟ يبدو أنها كانت مقدمة للدخول في جهنم للخلود .. «فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ» ..فعن الكبر نشأت هذه المهانة.وجزاء على الكبر كان هذا التحقير!

الدرس الخامس:77 توجيه للصبر على مشقات الدعوة

وأمام هذا المشهد.مشهد الذل والمهانة والعذاب الرعيب.وعاقبة الجدال في آيات اللّه،والكبر النافخ في الصدور ..أمام هذا المشهد وهذه العاقبة يتجه السياق إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يوصيه بالصبر على ما يجده من كبر ومن جدال،والثقة بوعد اللّه الحق على كل حال.سواء أراه اللّه بعض الذي يعدهم في حياته،أو قبضه إليه وتولى الأمر عنه.فالقضية كلها راجعة إلى اللّه،وليس على الرسول إلا البلاغ،وهم إليه راجعون: «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ» ..

وهنا نقف أمام لفتة تستحق التدبر العميق.إن هذا الرسول الذي يلاقي ما يلاقي من الأذى والتكذيب والكبر والكنود،يقال له ما مفهومه:أد واجبك وقف عنده.فأما النتائج فليست من أمرك.حتى شفاء صدره بأن يشهد تحقق بعض وعيد اللّه للمتكبرين المكذبين ليس له أن يعلق به قلبه! إنه يعمل وكفى.يؤدي واجبه ويمضي.

فالأمر ليس أمره.والقضية ليست قضيته.إن الأمر كله للّه.واللّه يفعل به ما يريد.

يا للّه! يا للمرتقى العالي.ويا للأدب الكامل.الذي يأخذ اللّه به أصحاب هذه الدعوة.في شخص رسوله الكريم.

وإنه لأمر شاق على النفس البشرية.أمر يحتاج إلى الصبر على أشواق القلب البشري العنيفة.لعله من أجل هذا كان التوجيه إلى الصبر في هذا الموضع من السورة.فلم يكن هذا تكرارا للأمر الذي سبق فيها.إنما كان توجيها إلى صبر من لون جديد.ربما كان أشق من الصبر على الإيذاء والكبر والتكذيب؟!

إن احتجاز النفس البشرية عن الرغبة في أن ترى كيف يأخذ اللّه أعداءه وأعداء دعوته،بينما يقع عليها العداء والخصومة من أولئك الأعداء،أمر شديد على النفس صعيب.ولكنه الأدب الإلهي العالي،والإعداد الإلهي لأصفيائه المختارين،وتخليص النفس المختارة من كل شيء لها فيه أرب،حتى ولو كان هذا الأرب هو الانتصار من أعداء هذا الدين!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت