وضع.كما أنها هي الحقيقة التي تتفق مع التصور الإيماني لقدرة اللّه وقدره،ولسنته ومشيئته،ولحقيقة القدرة البشرية التي تنطلق لتحقيق قدر اللّه ..أداة ..ولن تزيد على أن تكون أداة ..
وهي حقيقة تسكب الطمأنينة في قلب المؤمن،في حالتي قوته وضعفه على السواء.ما دام يخلص قلبه للّه،ويتوكل في جهاده على اللّه.فقوته ليست هي التي تنصره في معركة الحق والباطل والإيمان والكفر،إنما هو اللّه الذي يكفل له النصر.وضعفه لا يهزمه لأن قوة اللّه من ورائه وهي التي تتولى المعركة وتكفل له النصر.ولكن اللّه يملي ويستدرج ويقدر الأمور في مواقيتها وفق مشيئته وحكمته،ووفق عدله ورحمته.
كما أنها حقيقة تفزع قلب العدو،سواء كان المؤمن أمامه في حالة ضعف أم في حالة قوة.فليس المؤمن هو الذي ينازله،إنما هو اللّه الذي يتولى المعركة بقوته وجبروته.اللّه الذي يقول لنبيه «فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ» وخل بيني وبين هذا البائس المتعوس!
واللّه يملي ويستدرج فهو في الفخ الرعيب المفزع المخيف،ولو كان في أوج قوته وعدته.فهذه القوة هي ذاتها الفخ وهذه العدة هي ذاتها المصيدة .. «وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» ! أما متى يكون.فذلك علم اللّه المكنون! فمن يأمن غيب اللّه ومكره؟ وهل يأمن مكر اللّه إلا القوم الفاسقون؟
وأمام هذه الحقيقة يوجه اللّه نبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى الصبر.الصبر على تكاليف الرسالة.والصبر على التواءات النفوس.والصبر على الأذى والتكذيب.الصبر حتى يحكم اللّه في الوقت المقدر كما يريد.ويذكره بتجربة أخ له من قبل ضاق صدره بهذه التكاليف،فلولا أن تداركته نعمة اللّه لنبذ وهو مذموم: «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ،وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ.إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ.لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ.فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ» ..
وصاحب الحوت هو يونس - عليه السّلام - كما جاء في سورة الصافات.وملخص تجربته التي يذكر اللّه بها محمدا - صلى الله عليه وسلم - لتكون له زادا ورصيدا،وهو خاتم النبيين،الذي سبقته تجارب النبيين أجمعين في حقل الرسالة،ليكون هو صاحب الحصاد الأخير،وصاحب الرصيد الأخير،وصاحب الزاد الأخير.فيعينه هذا على عبئه الثقيل الكبير.عبء هداية البشرية جميعها لا قبيلة ولا قرية ولا أمة.وعبء هداية الأجيال جميعها لا جيل واحد ولا قرن واحد كما كانت مهمة الرسل قبله.وعبء إمداد البشرية بعده بكل أجيالها وكل أقوامها بمنهج دائم ثابت صالح لتلبية ما يجد في حياتها من أحوال وأوضاع وتجارب.وكل يوم يأتي بجديد ..ملخص تلك التجربة أن يونس بن متى - سلام اللّه عليه - أرسله اللّه إلى أهل قرية.قيل اسمها نينوى بالموصل.
فاستبطأ إيمانهم،وشق عليه تلكؤهم،فتركهم مغاضبا قائلا في نفسه:إن اللّه لن يضيق عليّ بالبقاء بين هؤلاء المتعنتين المعاندين،وهو قادر على أن يرسلني إلى قوم آخرين! وقد قاده الغضب والضيق إلى