ونحن نعود فنؤكد أنه كان هناك - إلى جانب هذا كله - فتح آخر.فتح في النفوس والقلوب،تصوره بيعة الرضوان،التي رضي عنها اللّه وعن أصحابها ذلك الرضى الذي وصفه القرآن.ورسم لهم على ضوئه تلك الصورة الوضيئة الكريمة في نهاية السورة: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.وَالَّذِينَ مَعَهُ ...» إلخ.فهذا فتح في تاريخ الدعوات له حسابه،وله دلالته،وله آثاره بعد ذلك في التاريخ.
ولقد فرح رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بهذه السورة.فرح قلبه الكبير بهذا الفيض الرباني عليه وعلى المؤمنين معه.فرح بالفتح المبين.وفرح بالمغفرة الشاملة،وفرح بالنعمة التامة،وفرح بالهداية إلى صراط اللّه المستقيم.وفرح بالنصر العزيز الكريم.وفرح برضى اللّه عن المؤمنين ووصفهم ذلك الوصف الجميل.وقال - في رواية: «نزل عليّ البارحة سورة هي أحب إليّ من الدنيا وما فيها» ..وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ،عَنْ أَبِيهِ،أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ،رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ،فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ،فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ،ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ،ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ،فَقَالَ عُمَرُ:ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ عُمَرُ،نَزَرْتَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثَلاَثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لاَ يُجِيبُكَ.قَالَ عُمَرُ:فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى قَدَّمْتُهُ أَمَامَ النَّاسِ،وَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِي قُرْآنٍ،فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي،فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ،فَقَالَ:قَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ،ثُمَّ قَرَأَ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح] [1] ...
وفاضت نفسه الطيبة بالشكر لربه على ما أولاه من نعمته.
فاضت بالشكر في صورة صلاة طويلة مديدة،عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلاَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ « يَا عَائِشَةُ أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا » [2] ...
ذلك الافتتاح كان نصيب النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة ثم مضى السياق يصف نعمة اللّه على المؤمنين بهذا الفتح،ومس يده لقلوبهم بالسكينة،وما ادخره لهم في الآخرة من غفران وفوز ونعيم: « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ،وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ،خالِدِينَ فِيها،وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ،وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا» ..
والسكينة لفظ معبر مصور ذو ظلال والسكينة حين ينزلها اللّه في قلب،تكون طمأنينة وراحة،ويقينا وثقة،ووقارا وثباتا،واستسلاما ورضى.
(1) - صحيح ابن حبان [14 /320] (6409) صحيح
(2) - صحيح مسلم- المكنز [18 /137] (7304 )