قال ابن هشام:والدليل على قول الزهري أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الحديبية في ألف وأربع مائة في قول جابر بن عبد اللّه.ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف.وكان ممن أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص.
وكان فتحا في الأرض.فقد أمن المسلمون شر قريش،فاتجه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى تخليص الجزيرة من بقايا الخطر اليهودي - بعد التخلص من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة - وكان هذا الخطر يتمثل في حصون خيبر القوية التي تهدد طريق الشام.وقد فتحها اللّه على المسلمين،وغنموا منها غنائم ضخمة،جعلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيمن حضر الحديبية دون سواهم.وكان فتحا في الموقف بين المسلمين في المدينة وقريش في مكة وسائر المشركين حولها.
يقول الأستاذ محمد عزة دروزة بحق في كتابه: «سيرة الرسول.صور مقتبسة من القرآن الكريم» :
«ولا ريب في أن هذا الصلح الذي سماه القرآن بالفتح العظيم يستحق هذا الوصف كل الاستحقاق.
بل إنه ليصح أن يعد من الأحداث الحاسمة العظمى في السيرة النبوية،وفي تاريخ الإسلام وقوته وتوطده،أو بالأحرى من أعظمها.فقد اعترفت قريش بالنبي والإسلام وقوتهما وكيانهما،واعتبرت النبي والمسلمين أندادا لها،بل دفعتهم عنها بالتي هي أحسن،في حين أنها غزت المدينة في سنتين مرتين،وكانت الغزوة الأخيرة قبل سنة من هذه الزيارة وبحشد عظيم مؤلف منها ومن أحزابها لتستأصل شأفتهم،وبعثت هذه الغزوة في نفوس المسلمين أشد الاضطراب والهلع لضعفهم وقلتهم إزاء الغزاة.ولهذا شأن عظيم في نفوس العرب،الذين كانوا يرون في قريش الإمام والقدوة،والذين كانوا متأثرين بموقفهم الجحودي كل التأثر.وإذا لوحظ أن الأعراب كانوا يقدرون أن النبي والمسلمين لن يعودوا سالمين من هذه الرحلة،وأن المنافقين كانوا يظنون أسوأ الظنون.بدت لنا ناحية من نواحي خطورة هذا الفتح وبعد مداه.
«ولقد أثبتت الأحداث صدق إلهام النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما فعل،وأيده فيه القرآن،وأظهرت عظم الفوائد المادية والمعنوية والسياسية والحربية والدينية التي عادت على المسلمين منه.إذ قووا في عيون القبائل،وبادر المتخلفون من الأعراب إلى الاعتذار،وازداد صوت المنافقين في المدينة خفوتا وشأنهم ضآلة،وإذ صار العرب يفدون على النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنحاء قاصية،وإذ تمكن من خضد شوكة اليهود في خيبر وغيرها من قراهم المتناثرة على طريق الشام،وإذ صار يستطيع أن يبعث بسراياه إلى أنحاء قاصية كنجد واليمن والبلقاء،وإذ استطاع بعد سنتين أن يغزو مكة ويفتحها،وكان في ذلك النهاية الحاسمة،إذ جاء نصر اللّه والفتح،ودخل الناس في دين اللّه أفواجا» [1] ..
(1) - ص 292 - 293 من الجزء الثاني. ( السيد رحمه الله )