بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (1) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) }
«طا.سين» ..الأحرف المقطعة للتنبيه على المادة الأولية التي تتألف منها السورة والقرآن كله.وهي متاحة لجميع الناطقين بالعربية.وهم يعجزون أن يؤلفوا منها كتابا كهذا القرآن،بعد التحدي والإفحام ..ويلي ذلك التنبيه ذكر القرآن: «تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ» ..
والكتاب هو نفسه القرآن.وذكره بهذه الصفة هنا يبدو لنا أنه للموازنة الخفية بين استقبال المشركين للكتاب المنزل عليهم من عند اللّه واستقبال ملكة سبأ وقومها للكتاب الذي أرسله إليهم سليمان.وهو عبد من عباد اللّه.ثم يصف القرآن أو يصف الكتاب بأنه: «هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ» ..
وهذه أبلغ مما لو قيل:فيه هدى وبشرى للمؤمنين.فالتعبير القرآني على هذا النحو يجعل مادة القرآن وماهيته هدى وبشرى للمؤمنين.والقرآن يمنح المؤمنين هدى في كل فج،وهدى في كل طريق.كما يطلع عليهم بالبشرى في الحياتين الأولى والآخرة.
وفي تخصيص المؤمنين بالهدى والبشرى تكمن حقيقة ضخمة عميقة ..إن القرآن ليس كتاب علم نظري أو تطبيقي ينتفع به كل من يقرؤه ويستوعب ما فيه.إنما القرآن كتاب يخاطب القلب،أول ما يخاطب ويسكب نوره وعطره في القلب المفتوح،الذي يتلقاه بالإيمان واليقين.وكلما كان القلب نديا بالإيمان زاد تذوقه لحلاوة القرآن وأدرك من معانيه وتوجيهاته ما لا يدركه منه القلب الصلد الجاف واهتدى بنوره إلى ما لا يهتدي إليه الجاحد الصادف.وانتفع بصحبته ما لا ينتفع القارئ المطموس! وإن الإنسان ليقرأ الآية أو السورة مرات كثيرة،وهو غافل أو عجول،فلا تنض له بشيء وفجأة يشرق النور في قلبه،فتفتح له عن عوالم ما كانت تخطر له ببال.وتصنع في حياته صنع المعجزة في تحويلها من منهج إلى منهج،ومن طريق إلى طريق.
وكل النظم والشرائع والآداب التي يتضمنها هذا القرآن،إنما تقوم قبل كل شيء على الإيمان.فالذي لا يؤمن قلبه باللّه،ولا يتلقى هذا القرآن على أنه وحي من عند اللّه وعلى أن ما جاء فيه إنما هو المنهج الذي يريده اللّه.
الذي لا يؤمن هذا الإيمان لا يهتدي بالقرآن كما ينبغي ولا يستبشر بما فيه من بشارات.