فهرس الكتاب

الصفحة 3329 من 4997

إن في القرآن كنوزا ضخمة من الهدى والمعرفة والحركة والتوجيه.والإيمان هو مفتاح هذه الكنوز.ولن تفتح كنوز القرآن إلا بمفتاح الإيمان.والذين آمنوا حق الإيمان حققوا الخوارق بهذا القرآن.فأما حين أصبح القرآن كتابا يترنم المترنمون بآياته،فتصل إلى الآذان،ولا تتعداها إلى القلوب.فإنه لم يصنع شيئا،ولم ينتفع به أحد ..لقد ظل كنزا بلا مفتاح! والسورة تعرض صفة المؤمنين الذين يجدون القرآن هدى وبشرى ..إنهم هم: «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ،وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ،وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ» ..يقيمون الصلاة ..فيؤدونها حق أدائها،يقظة قلوبهم لموقفهم بين يدي اللّه،شاعرة أرواحهم بأنهم في حضرة ذي الجلال والإكرام،مرتفعة مشاعرهم إلى ذلك الأفق الوضيء، مشغولة خواطرهم بنجاء اللّه ودعائه والتوجه إليه في محضره العظيم.

ويؤتون الزكاة ..فيطهرون نفوسهم من رذيلة الشح ويستعلون بأرواحهم على فتنة المال ويصلون إخوانهم في اللّه ببعض ما رزقهم اللّه ويقومون بحق الجماعة المسلمة التي هم فيها أعضاء.

وهم بالآخرة هم يوقنون ..فإذا حساب الآخرة يشغل بالهم،ويصدهم عن جموح الشهوات،ويغمر أرواحهم بتقوى اللّه وخشيته والحياء من الوقوف بين يديه موقف العصاة.

هؤلاء المؤمنون الذاكرون اللّه،القائمون بتكاليفه،المشفقون من حسابه وعقابه،الطامعون في رضائه وثوابه ..

هؤلاء هم الذين تنفتح قلوبهم للقرآن،فإذا هو هدى وبشرى.وإذا هو نور في أرواحهم،ودفعة في دمائهم،وحركة في حياتهم.وإذا هو زادهم الذي به يبلغون وريهم الذي به يشتفون.

وعند ذكر الآخرة يركز عليها ويؤكد في صورة التهديد والوعيد لمن لا يؤمنون بها،فيسدرون في غيهم،حتى يلاقوا مصيرهم الوخيم: «إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ.أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ،وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ» ..

والإيمان بالآخرة هو الزمام الذي يكبح الشهوات والنزوات،ويضمن القصد والاعتدال في الحياة.والذي لا يعتقد بالآخرة لا يملك أن يحرم نفسه شهوة أو يكبح فيها نزوة،وهو يظن أن الفرصة الوحيدة المتاحة له للمتاع هي فرصة الحياة على هذا الكوكب،وهي قصيرة مهما طالت.وما تكاد تتسع لشيء من مطالب النفوس وأمانيها التي لا تنال! ثم ما الذي يمسكه حين يملك إرضاء شهواته ونزواته،وتحقيق لذاته ورغباته وهو لا يحسب حساب وقفة بين يدي اللّه ولا يتوقع ثوابا ولا عقابا يوم يقوم الأشهاد؟

ومن ثم يصبح كل تحقيق للشهوة واللذة مزينا للنفس التي لا تؤمن بالآخرة،تندفع إليه بلا معوق من تقوى أو حياء.والنفس مطبوعة على أن تحب ما يلذ لها،وأن تجده حسنا جميلا ما لم تهتد بآيات اللّه ورسالاته إلى الإيمان بعالم آخر باق بعد هذا العالم الفاني.فإذا هي تجد لذتها في أعمال أخرى وأشواق أخرى،تصغر إلى جوارها لذائذ البطون والأجسام! واللّه - سبحانه - هو الذي خلق النفس البشرية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت