فهرس الكتاب

الصفحة 4647 من 4997

لقد كانوا يقيسون بمقاييس الأرض ويتحدثون عن الإنسان المثقل بمقررات العقل في الأرض ويتصورون الأمر بالمدارك المحدودة المجال.

إن مدلول الكلمات ذاته مقيد بما تدركه عقولنا وتصوراتنا المحدودة.فإذا انطلقت وتحررت من هذه التصورات فقد تتغير طبيعة الكلمات.فالكلمات ليست سوى رموز يختلف ما ترمز إليه بحسب التصورات الكامنة في مدارك الإنسان.فإذا تغيرت طاقته تغير معها رصيده من التصورات،وتغيرت معها طبيعة مدلول الكلمات.ونحن نتعامل في هذه الأرض بتلك الرموز على قدر حالنا! فما لنا نخوض في أمر لا يثبت لنا منه حتى مدلول الكلمات؟!

فلنتطلع إلى فيض السعادة الغامر الهادئ،وفيض الفرح المقدس الطهور،الذي ينطلق من مجرد تصورنا لحقيقة الموقف على قدر ما نملك.ولنشغل أرواحنا بالتطلع إلى هذا الفيض فهذا التطلع ذاته نعمة.لا تفوقها إلا نعمة النظر إلى وجهه الكريم .. «وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ،تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ» .

وهي الوجوه الكالحة المتقبضة التعيسة،المحجوبة عن النظر والتطلع،بخطاياها وارتكاسها وكثافتها وانطماسها.وهي التي يشغلها ويحزنها ويخلع عليها البسر والكلوحة توقعها أن تحل بها الكارثة القاصمة للظهر،المحطمة للفقار ..الفاقرة.وهي من التوقع والتوجس في كرب وكلوحة وتقبض وتنغيص ..

فهذه هي الآخرة التي يذرونها ويهملونها ويتجهون إلى العاجلة يحبونها ويحفلونها.ووراءهم هذا اليوم الذي تختلف فيه المصائر والوجوه،هذا الاختلاف الشاسع البعيد!!! من وجوه يومئذ ناضرة،إلى ربها ناظرة إلى وجوه يومئذ باسرة،تظن أن يفعل بها فاقرة!!!

الدرس الرابع:26 - 35 مشهد الاحتضار ثم العذاب للكافر

وإذا كانت مشاهد القيامة ..إذا برق البصر،وخسف القمر،وجمع الشمس والقمر،وقال الإنسان يومئذ أين المفر.ولا مفر.وإذا اختلفت المصائر والوجوه،ذلك الاختلاف الشاسع البعيد،فكانت وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة،ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة ..

إذا كانت تلك المشاهد تستمد قوتها وإيقاعها في النفس،من قوة الحقيقة الكامنة فيها،وقوة الأداء القرآني الذي يشخصها ويحييها،فإن السورة بعد عرض تلك المشاهد تقرب وتقرب حتى تلمس حس المخاطبين بمشهد آخر حاضر واقع مكرور،لا تمر لحظة حتى يواجههم في هذه الأرض بقوته ووضوحه ووزنه الثقيل! إنه مشهد الموت.الموت الذي ينتهي إليه كل حي،والذي لا يدفعه عن نفسه ولا عن غيره حي.الموت الذي يفرق الأحبة،ويمضي في طريقه لا يتوقف،ولا يتلفت،ولا يستجيب لصرخة ملهوف،ولا لحسرة مفارق،ولا لرغبة راغب ولا لخوف خائف! الموت الذي يصرع الجبابرة بنفس السهولة التي يصرع بها الأقزام،ويقهر بها المتسلطين كما يقهر المستضعفين سواء! الموت الذي لا حيلة للبشر فيه وهم مع هذا لا يتدبرون القوة القاهرة التي تجريه: «كَلَّا! إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ،وَقِيلَ:مَنْ راقٍ؟ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ،وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ.إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت