إنه مشهد الاحتظار ،يواجههم به النص القرآني كأنه حاضر،وكأنه يخرج من ثنايا الألفاظ ويتحرك كما تخرج ملامح الصورة من خلال لمسات الريشة! «كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ» ..وحين تبلغ الروح التراقي يكون النزع الأخير،وتكون السكرات المذهلة،ويكون الكرب الذي تزوغ منه الأبصار ..ويتلفت الحاضرون حول المحتضر يتلمسون حيلة أو وسيلة لاستنقاذ الروح المكروب: «وَقِيلَ:مَنْ راقٍ؟» لعل رقية تفيد! ..وتلوّى المكروب من السكرات والنزع .. «وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ» ..وبطلت كل حيلة،وعجزت كل وسيلة،وتبين الطريق الواحد الذي يساق إليه كل حي في نهاية المطاف: «إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ» ..
إن المشهد ليكاد يتحرك وينطق.وكل آية ترسم حركة.وكل فقرة تخرج لمحة.وحالة الاحتظار ترتسم ويرتسم معها الجزع والحيرة واللهفة ومواجهة الحقيقة القاسية المريرة،التي لا دافع لها ولا راد ..ثم تظهر النهاية التي لا مفر منها .. «إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ» ..
ويسدل الستار على المشهد الفاجع،وفي العين منه صورة،وفي الحس منه أثر،وعلى الجو كله وجوم صامت مرهوب.
وفي مواجهة المشهد المكروب الملهوف الجاد الواقع يعرض مشهد اللاهين المكذبين،الذين لا يستعدون بعمل ولا طاعة،بل يقدمون المعصية والتولي،في عبث ولهو،وفي اختيال بالمعصية والتولي: «فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى،وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى،ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى» ! ..
وقد ورد أن هذه الآيات تعني شخصا معينا بالذات،قيل هو أبو جهل «عمرو بن هشام» ..وكان يجيء أحيانا إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يسمع منه القرآن.ثم يذهب عنه،فلا يؤمن ولا يطيع،ولا يتأدب ولا يخشى ويؤذي رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بالقول،ويصد عن سبيل اللّه.ثم يذهب مختالا بما يفعل،فخورا بما ارتكب من الشر،كأنما فعل شيئا يذكر ..
والتعبير القرآني يتهكم به،ويسخر منه،ويثير السخرية كذلك،وهو يصور حركة اختياله بأنه «يَتَمَطَّى!» يمط في ظهره ويتعاجب تعاجبا ثقيلا كريها! وكم من أبي جهل في تاريخ الدعوة إلى اللّه،يسمع ويعرض،ويتفنن في الصد عن سبيل اللّه،والأذى للدعاة،ويمكر مكر السيء ،ويتولى وهو فخور بما أوقع من الشر والسوء،وبما أفسد في الأرض،وبما صد عن سبيل اللّه،وبما مكر لدينه وعقيدته وكاد! والقرآن يواجه هذه الخيلاء الشريرة بالتهديد والوعيد: «أَوْلى لَكَ فَأَوْلى .ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى » ..وهو تعبير اصطلاحي يتضمن التهديد والوعيد،وقد أمسك رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بخناق أبي جهل مرة،وهزه،وهو يقول له: «أَوْلى لَكَ فَأَوْلى .ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى » ..فقال عدو اللّه:أتوعدني يا محمد؟
واللّه لا تستطيع أنت ولا ربك شيئا.وإني لأعز من مشى بين جبليها!! فأخذه اللّه يوم بدر بيد المؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبرب محمد القوي القهار المتكبر.ومن قبله قال فرعون لقومه: «ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي» ..وقال: «أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي؟» ..ثم أخذه اللّه