الرحلة ..من الحياة إلى الموت،كالرحلة من الموت إلى الحياة ..كلها تلمس القلب وتستجيشه إلى قدر من التأثر والتدبر يختلف باختلاف النفوس والحالات.
ومن الحياة والموت إلى حقيقة الإنشاء وأداة الإبداع.وإن هي إلا الإرادة يتمثل اتجاهها إلى الخلق.خلق أي شيء.في كلمة «كُنْ» ..فإذا الوجود ينبثق على إثرها «فَيَكُونُ» فتبارك اللّه أحسن الخالقين ..
وأمام نشأة الحياة البشرية.وفي ظل مشهد الحياة والموت.وحقيقة الإنشاء والإبداع ..يبدو الجدال في آيات اللّه مستغربا مستنكرا ويبدو التكذيب بالرسل عجيبا نكيرا.ومن ثم يواجهه بالتهديد المخيف في صورة مشهد من مشاهد القيامة العنيفة: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ؟ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ،فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ.ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ:أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قالُوا:ضَلُّوا عَنَّا،بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا.كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ.ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ،وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ.ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها.فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ» ..
إنه التعجيب من أمر الذين يجادلون في آيات اللّه،في ظل استعراض هذه الآيات.مقدمة لبيان ما ينتظرهم هناك! «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ؟» ..
«الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا» ..وهم كذبوا كتابا واحدا.ورسولا واحدا.ولكنهم إنما يكذبون بهذا كل ما جاء به الرسل.فهي عقيدة واحدة،تتمثل في أكمل صورها في الرسالة الأخيرة.ومن ثم فهم كذبوا بكل رسالة وبكل رسول ..كل مكذب في القديم والحديث صنع هذا حين كذب رسوله الذي جاءه بالحق الواحد وبعقيدة التوحيد.
«فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» ..ثم يعرض ماذا سوف يعلمون ..إنها الإهانة والتحقير في العذاب.لا مجرد العذاب. «إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ» ..بهذه المهانة كما تسحب الأنعام والوحوش! وعلام التكريم؟ وقد خلعوا عن أنفسهم شارة التكريم؟! وبعد السحب والجر في هذا العذاب وفي هذه المهانة،ينتهي بهم المطاف إلى ماء حار وإلى نار: «فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ» ..أي يربطون ويحبسون،على طريقة سجر الكلاب.أي يملأ لهم المكان ماء حارا ونارا موقدة.وإلى هذا ينتهون.وبينما هم في هذا العذاب المهين يوجه إليهم التبكيت والترذيل والإحراج والإعنات: «ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ:أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟» ..
فيجيبون إجابة المخدوع الذي انكشفت له خدعته،وهو يائس حسير. «قالُوا:ضَلُّوا عَنَّا.بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا» ..غابوا عنا فلم نعد نعرف لهم طريقا،وما عادوا يعرفون لنا طريقا.بل لم نكن