فهرس الكتاب
ولوكها على الألسن في المجالس والسهرات والزيارات: «وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ:امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ.قَدْ شَغَفَها حُبًّا.إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ..
وهو كلام أشبه بما تقوله النسوة في كل بيئة جاهلية عن مثل هذه الشؤون.ولأول مرة نعرف أن المرأة هي امرأة العزيز،وأن الرجل الذي اشتراه من مصر هو عزيز مصر - أي كبير وزرائها - ليعلن هذا مع إعلان الفضيحة العامة بانتشار الخبر في المدينة: «امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ» ..
ثم بيان لحالها معه: «قَدْ شَغَفَها حُبًّا» ..فهي مفتونة به،بلغ حبه شفاف قلبها ومزقه،وشغاف القلب غشاؤه الرقيق: «إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ..
وهي السيدة الكبيرة زوجة الكبير،تفتتن بفتاها العبراني المشترى.أم لعلهن يتحدثن عن اشتهارها بهذه الفتنة وانكشافها وظهور أمرها،وهو وحده المنتقد في عرف هذه الأوساط لا الفعلة في ذاتها لو ظلت وراء الأستار؟!
وهنا كذلك يقع ما لا يمكن وقوعه إلا في مثل هذه الأوساط.ويكشف السياق عن مشهد من صنع تلك المرأة الجريئة،التي تعرف كيف تواجه نساء طبقتها بمكر كمكرهن وكيد من كيدهن: «فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ،وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً،وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا،وَقالَتِ:اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ.فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ،وَقُلْنَ:حاشَ لِلَّهِ! ما هذا بَشَرًا.إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ.قالَتْ:فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ.وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ.وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ» ..
لقد أقامت لهن مأدبة في قصرها.وندرك من هذا أنهن كن من نساء الطبقة الراقية.فهن اللواتي يدعين إلى المآدب في القصور.وهن اللواتي يؤخذن بهذه الوسائل الناعمة المظهر.ويبدو أنهن كن يأكلن وهن متكئات على الوسائد والحشايا على عادة الشرق في ذلك الزمان.فأعدت لهن هذا المتكأ.وآتت كل واحدة منهن سكينا تستعملها في الطعام - ويؤخذ من هذا أن الحضارة المادية في مصر كانت قد بلغت شأوا بعيدا،وأن الترف في القصور كان عظيما.فإن استعمال السكاكين في الأكل قبل هذه الآلاف من السنين له قيمته في تصوير الترف والحضارة المادية.وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة،فاجأتهن بيوسف: «وَقالَتِ:اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ» ..