ويكفي أن يعرف الذين آمنوا هذا التاريخ القديم عن يهود،وهذا الواقع الجديد لتنفر قلوبهم المؤمنة من ولائهم،كما نفر قلب عبادة بن الصامت فلا يتولاهم إلا المنافقون من أمثال عبد اللّه بن أبي بن سلول! ذلك شأن اليهود من أهل الكتاب ..فأما شأن النصارى فيبينه السياق القرآني في حسم وتوكيد يتمشيان مع طبيعة السورة وطبيعة الموقف الذي تعالجه ..
ولقد سبق في سياق السورة وصف الذين قالوا:إن اللّه هو المسيح ابن مريم بالكفر.فالآن يكرر هذا الوصف،سواء لمن قالوا:إن اللّه ثالث ثلاثة،ومن قالوا:إن اللّه هو المسيح ابن مريم.مع ذكر شهادة عيسى - عليه السّلام - عليهم بالكفر،وتحذيره لهم من وصف أحد بالألوهية إلا اللّه - سبحانه - واعترافه بأن اللّه هو ربه وربهم على السواء.ثم تحذير اللّه لهم في النهاية من المضي فيما هم عليه من الكفر بسبب هذه المقولات التي لا يقول بها المؤمنون باللّه وبدينه الصحيح: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا:إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ.وَقالَ الْمَسِيحُ:يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ.إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ،وَمَأْواهُ النَّارُ،وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ..لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا:إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ.وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ.وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ؟ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ،وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ.انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ،ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.قُلْ:أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا؟ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ؟ قُلْ:يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ،وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ،وَأَضَلُّوا كَثِيرًا،وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ» ..
ولقد سبق أن بينا - باختصار - كيف ومتى تسربت هذه المقولات المنحرفة من المجامع إلى العقيدة النصرانية التي جاء بها عيسى عليه السّلام رسولا من عند اللّه كإخوانه الرسل الذين جاءوا بكلمة التوحيد خالصة لا يشوبها ظل من الشرك لأن الرسالات كلها،جاءت لتقرير كلمة التوحيد في الأرض وإبطال كلمة الشرك.
فالآن نذكر - باختصار كذلك - ما انتهت إليه تلك المجامع من الاتفاق على التثليث وألوهية المسيح والخلاف فيما بينها بعد ذلك،على النحو الذي أسلفناه ..
« جاء في كتاب «سوسنة سليمان» لنوفل بن نعمة اللّه بن جرجس النصراني:أن عقيدة النصارى التي لا تختلف بالنسبة لها الكنائس،وهي أصل الدستور الذي بينه المجمع النيقاوي هي الإيمان بإله واحد:آب واحد،ضابط الكل،خالق السماوات والأرض،كل ما يرى وما لا يرى.وبرب واحد يسوع،الابن الوحيد المولود من الآب قبل الدهور من نور اللّه.إله حق من إله حق.مولود غير مخلوق،مساو للأب في الجوهر،الذي به كان كل شيء،والذي من أجلنا نحن البشر،ومن أجل خطايانا