فهرس الكتاب
ونظام آخر،لا يدركون طبيعة الفوارق الجذرية العميقة بين الأسس التي تقوم عليها الحياة في الإسلام والتي تقوم عليها الحياة في كل نظام بشري من صنع الإنسان!
وهنا يتحول السياق من خطابهم إلى عرض نماذج من أعمالهم بعد استخلافهم.
لقد استخلفوا بعد القوم المجرمين.فماذا فعلوا؟
«وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا:ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ.قُلْ:ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي،إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ،إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ.قُلْ:لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ،فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ.أَفَلا تَعْقِلُونَ؟ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ؟ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ» ..
«وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ:هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ.قُلْ:أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ؟ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا،وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.وَيَقُولُونَ:لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ،فَقُلْ:إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ،فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ» .
هكذا كان عملهم بعد الاستخلاف،وهكذا كان سلوكهم مع الرسول!!! «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا:ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ» ..
وهو طلب عجيب لا يصدر عن جد،إنما يصدر عن عبث وهزل وعن جهل كذلك بوظيفة هذا القرآن وجدية تنزيله.وهو طلب لا يطلبه إلا الذين لا يظنون أنهم سيلقون اللّه! إن هذا القرآن دستور حياة شامل،منسق بحيث يفي بمطالب هذه البشرية في حياتها الفردية والجماعية،ويهديها إلى طريق الكمال في حياة الأرض بقدر ما تطيق،ثم إلى الحياة الأخرى في نهاية المطاف.ومن يدرك القرآن على حقيقته لا يخطر له أن يطلب سواه،أو يطلب تبديل بعض أجزائه.
وأغلب الظن أن أولئك الذين لا يتوقعون لقاء اللّه كانوا يحسبون المسألة مسألة مهارة،ويأخذونها مأخذ المباريات في أسواق العرب في الجاهلية.فما على محمد أن يقبل التحدي ويؤلف قرآنا آخر،أو يؤلف جزءا مكان جزء؟! «قُلْ:ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي.إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ.إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» ..
إنها ليست لعبة لاعب ولا مهارة شاعر.إنما هو الدستور الشامل الصادر من مدبر الكون كله،وخالق الإنسان وهو أعلم بما يصلحه.فما يكون للرسول أن يبدله من تلقاء نفسه.وإن هو إلا مبلغ متبع للوحي الذي يأتيه.وكل تبديل فيه معصية وراءها عذاب يوم عظيم.
«قُلْ:لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ.فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ.أَفَلا تَعْقِلُونَ؟» .