فهرس الكتاب

الصفحة 4536 من 4997

شاطئ البحر،حيث ركب سفينته،فلما كانوا في وسط اللج ثقلت السفينة وتعرضت للغرق.فأقرعوا بين الركاب للتخفف من واحد منهم لتخف السفينة ..فكانت القرعة على يونس.فألقوه في اليم.فابتلعه الحوت.عندئذ نادى يونس - وهو كظيم - في هذا الكرب الشديد في الظلمات في بطن الحوت،وفي وسط اللجة،نادى ربه: «لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ! إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» فتداركته نعمة من ربه،فنبذه الحوت على الشاطئ ..لحما بلا جلد ..ذاب جلده في بطن الحوت.وحفظ اللّه حياته بقدرته التي لا يقيدها قيد من مألوف البشر المحدود!

وهنا يقول:إنه لولا هذه النعمة لنبذه الحوت وهو مذموم.أي مذموم من ربه ..على فعلته.وقلة صبره.وتصرفه في شأن نفسه قبل أن يأذن اللّه له.ولكن نعمة اللّه وقته هذا،وقبل اللّه تسبيحه واعترافه وندمه.وعلم منه ما يستحق عليه النعمة والاجتباء. «فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ» ..

هذه هي التجربة التي مر بها صاحب الحوت.يذكر اللّه بها رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - في موقف العنت والتكذيب.بعد ما أخلاه من المعركة كما هي الحقيقة،وأمره بتركها له يتولاها كما يريد.وقتما يريد.وكلفه الصبر لحكم اللّه وقضائه في تحديد الموعد،وفي مشقات الطريق حتى يحين الموعد المضروب! إن مشقة الدعوة الحقيقية هي مشقة الصبر لحكم اللّه،حتى يأتي موعده،في الوقت الذي يريده بحكمته.

وفي الطريق مشقات كثيرة.مشقات التكذيب والتعذيب.ومشقات الالتواء والعناد.ومشقات انتفاش الباطل وانتفاخه.ومشقات افتتان الناس بالباطل المزهو المنتصر فيما تراه العيون.ثم مشقات إمساك النفس على هذا كله راضية مستقرة مطمئنة إلى وعد اللّه الحق،لا ترتاب ولا تتردد في قطع الطريق،مهما تكن مشقات الطريق ..وهو جهد ضخم مرهق يحتاج إلى عزم وصبر ومدد من اللّه وتوفيق ..أما المعركة ذاتها فقد قضى اللّه فيها،وقدر أنه هو الذي يتولاها،كما قدر أنه يملي ويستدرج لحكمة يراها.كذلك وعد نبيه الكريم،فصدقه الوعد بعد حين.

الدرس العاشر:51 - 52 صورة عن ضخامة حقد الكفار على الرسول ونظراتهم المسمومة له

وفي الختام يرسم مشهدا للكافرين وهم يتلقون الدعوة من الرسول الكريم،في غيظ عنيف،وحسد عميق ينسكب في نظرات مسمومة قاتلة يوجهونها إليه،ويصفها القرآن بما لا مزيد عليه: «وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ.وَيَقُولُونَ:إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ» .

فهذه النظرات تكاد تؤثر في أقدام الرسول - صلى الله عليه وسلم - فتجعلها تزل وتزلق وتفقد توازنها على الأرض وثباتها! وهو تعبير فائق عما تحمله هذه النظرات من غيظ وحنق وشر وحسد ونقمة وضغن،وحمى وسم ..مصحوبة هذه النظرات المسمومة المحمومة بالسب القبيح،والشتم البذيء، والافتراء الذميم: «وَيَقُولُونَ:إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت