فهرس الكتاب
ثم لا يقف السياق القرآني عند الحد السلبي في النهي عن الجهر بالسوء إنما يوجه إلى الخير الإيجابي عامة ويوجه إلى العفو عن السوء ويلوح بصفة اللّه سبحانه في العفو وهو قادر على الأخذ،ليتخلق المؤمنون
بأخلاق اللّه سبحانه فيما يملكون وما يستطيعون: «إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ،فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا» ..وهكذا يرتفع المنهج التربوي بالنفس المؤمنة والجماعة المسلمة درجة أخرى ..في أول درجة يحدثهم عن كراهة اللّه - سبحانه - للجهر بالسوء.ويرخص لمن وقع عليه الظلم أن ينتصف أو يطلب النصف،بالجهر بالسوء فيمن ظلمه،ومما وقع عليه من الظلم ..وفي الدرجة الثانية يرتفع بهم جميعا إلى فعل الخير ويرتفع بالنفس التي ظلمت - وهي تملك أن تنتصف من الظلم بالجهر - أن تعفو وتصفح - عن مقدرة فلا عفو بغير مقدرة - فترتفع على الرغبة في الانتصاف إلى الرغبة في السماحة وهي أرفع وأصفى ..عندئذ يشيع الخير في المجتمع المسلم إذا أبدوه.ويؤدي دوره في تربية النفوس وتزكيتها إذا أخفوه - فالخير طيب في السر طيب في العلن - وعندئذ يشيع العفو بين الناس،فلا يكون للجهر بالسوء مجال.على أن يكون عفو القادر الذي يصدر عن سماحة النفس لا عن مذلة العجز وعلى أن يكون تخلقا بأخلاق اللّه،الذي يقدر ويعفو: «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا» .
بعد ذلك يأخذ السياق في جولة مع «الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ» بصفة عامة! ثم ينتقل منها إلى اليهود في شوط،وإلى النصارى في الشوط الآخر ..واليهود يجهرون بالسوء - إفكا وبهتانا - على مريم وعلى عيسى - ويأتي ذكر هذا الجهر في ثنايا الجولة فترتبط هذه الجولة بذلك البيان الذي تتضمنه الآيتان السابقتان في السياق.
والجولة كلها طرف من المعركة التي خاضها القرآن مع أعداء الجماعة المسلمة في المدينة.والتي سلفت منها في هذه السورة وفي سورتي البقرة وآل عمران أطراف أخرى ..
فنأخذ في استعراضها هنا كما وردت في السياق القرآني: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ:نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا.أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا،وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا.وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ،وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ،أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» .
لقد كان اليهود يدعون الإيمان بأنبيائهم وينكرون رسالة عيسى ورسالة محمد كما كان النصارى يقفون بإيمانهم عند عيسى - فضلا عن تأليهه - وينكرون رسالة محمد كذلك.
وكان القرآن ينكر على هؤلاء وهؤلاء ويقرر التصور الإسلامي الشامل الكامل عن الإيمان باللّه ورسوله بدون تفريق بين اللّه ورسله وبدون تفريق كذلك بين رسله جميعا.وبهذا الشمول كان