بين ذلك.كلهم لاقوا ذات المصير بعد أن ضربت لهم الأمثال،فلم يتدبروا القول،ولم يتقوا البوار والدمار ..وهذه الأمثلة كلها من قوم موسى ونوح،وعاد وثمود وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك،ومن القرية التي أمطرت مطر السوء - وهي قرية لوط - كلها تسير سيرة واحدة وتنتهي نهاية واحدة «وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ» للعظة والاعتبار «وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا» وكانت عاقبة التكذيب هي التحطيم والتفتيت والدمار.والسياق يستعرض هذه الأمثلة ذلك الاستعراض السريع لعرض هذه المصارع المؤثرة.وينهيها بمصرع قوم لوط وهم يمرون عليه في سدوم في رحلة الصيف إلى الشام.وقد أهلكها اللّه بمطر بركاني من الأبخرة والحجارة فدمرها تدميرا.ويقرر في نهايته أن قلوبهم لا تعتبر ولا تتأثر لأنهم لا ينتظرون البعث،ولا يرجون لقاء اللّه.فذلك سبب قساوة تلك القلوب.وانطماسها.ومن هذا المعين تنبع تصرفاتهم واعتراضاتهم وسخرياتهم من القرآن ومن الرسول.
وبعد هذا الاستعراض السريع يجيء ذكر استهزائهم برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وقد سبقه تطاولهم على ربهم،واعتراضهم على طريقة تنزيل القرآن.وسبقه كذلك مشاهدهم المفجعة في يوم الحشر،ومصارع المكذبين أمثالهم في هذه الأرض ..كل أولئك تطييبا لقلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل ذكر استهزائهم به وتوقحهم عليها.ثم يعقب عليه بتهديدهم وتحقيرهم وتنزيلهم إلى أحط من درك الحيوان.
«وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا.أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا؟ إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا.أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا؟ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ؟ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ،بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» .
ولقد كان محمد - صلى الله عليه وسلم - ملء السمع والبصر بين قومه قبل بعثته.فقد كان عندهم ذا مكانة من بيته وهو من ذروة بني هاشم وهم ذروة قريش.وكان عندهم ذا مكانة من خلقه وهو الملقب بينهم بالأمين.
ولقد ارتضوا حكومته بينهم في وضع الحجر الأسود قبل البعثة بزمن طويل.ويوم دعاهم على الصفا فسألهم أيصدقونه لو أخبرهم أن خيلا بسفح هذا الجبل قالوا:نعم أنت عندنا غير متهم.
ولكنهم بعد البعثة وبعد أن جاءهم بهذا القرآن العظيم راحوا يهزأون به ويقولون: «أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا؟» وهي قولة ساخرة مستنكرة ..أكان ذلك عن اقتناع منهم بأن شخصه الكريم يستحق منهم هذه السخرية،وأن ما جاءهم به يستحق منهم هذا الاستهزاء؟ كلا.إنما كانت تلك خطة مدبرة من كبراء قريش للتصغير من أثر شخصيته العظيمة ومن أثر هذا القرآن الذي لا يقاوم.وكانت وسيلة من وسائل مقاومة الدعوة الجديدة التي تهددهم في مراكزهم الاجتماعية وأوضاعهم الاقتصادية،وتجردهم من الأوهام والخرافات الاعتقادية التي تقوم عليها تلك المراكز وهذه الأوضاع.