فهرس الكتاب

الصفحة 3258 من 4997

ولقد كانوا يعقدون المؤتمرات لتدبير المؤامرات المحبوكة،ويتفقون فيها على مثل هذه الوسيلة وهم يعلمون كذبهم فيها عن يقين:

روى ابن إسحاق عن ابن عباس:أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا شرف فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم:يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضًا.فقالوا:وأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيا نقول به.قال:بل أنتم قولوا لأسمع.قالوا:نقول كاهن".قال:ما هو بكاهن.قالوا:فنقول:"مجنون".قال:ما هو بمجنون! قالوا فنقول:"شاعر".قال:ما هو بشاعر! قالوا:فنقول:"ساحر".قال:ما هو بساحر! قالوا:فماذا نقول؟ قال:والله إن لقوله حلاوة، فما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا:هو ساحر.فتفرقوا عنه بذلك، وأنزل الله فيهم: { الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ } أصنافا { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } دُوينك النفر الذين قالوا:ذلك لرسول الله. [1] ."

فهذا مثل من الكيد والتدبير يشي بحيرة القوم في المؤامرات ضد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ومعرفتهم بحقيقته في الوقت ذاته.فما كان اتخاذهم إياه هزوا،وقولهم ساخرين: «أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا؟» بصورة الاستغراب والاستنكار والزراية إلا طرفا من تلك المؤامرات المدبرة لا ينبعث عن حقيقة شعورية في نفوسهم،إنما يتخذ وسيلة للحط من قدره في أعين الجماهير،التي يحرص سادة قريش على استبقائها تحت وصايتهم الدينية،استبقاء للمراكز الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية التي يتمتعون بها في ظل تلك الوصاية! شأن قريش في هذا شأن أعداء دعوات الحق ودعاتها في كل زمان وفي كل مكان.

وبينما كانوا يظهرون الهز والاستخفاف كانت أقوالهم ذاتها تشي بمقدار ما في نفوسهم من شخصه ومن حجته ومن القرآن الذي جاء به،فيقولون: «إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها» .

فلقد زلزل قلوبهم إذن باعترافهم حتى كادوا يتركون آلهتهم وعبادتهم - على شدة حرصهم على استبقاء ديانتهم وما وراءها من مراكز ومغانم - لولا أنهم قاوموا تأثرهم به وصبروا على آلهتهم! والصبر لا يكون إلا على المقاومة العنيفة للجاذبية العنيفة.وهم يسمون الهداية إضلالا لسوء تقديرهم للحقائق وتقويمهم للقيم.

ولكنهم لا يملكون إخفاء الزلزلة التي أصابت قلوبهم من دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وشخصيته والقرآن الذي معه حتى وهم يتظاهرون بالاستخفاف بشخصه ودعوته،إصرارا وعنادا.ومن ثم يعاجلهم بالتهديد المجمل الرهيب: «وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا» ..

(1) - سيرة ابن هشام [1 /269] ونضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم [1 /226] وتفسير ابن كثير - دار طيبة [4 /549] فيه جهالة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت